الأسباب إلى منشئها ولا عَبَروا من الموجودات إلى موجدها ، فأعلاهم عند
أنفسهم مرتبة أضلهم سبيلا عن هدايته ، وأعدمهم فيما جادلوا دليلًا على
مطلوبه ، فعبدوا الشمس والقمر والنجوم والنار والملائكة والجن والأكابر منهم ،
ومنهم من يشفع إلى بعض هؤلاء المذكورين بالشجر والحجارة والخشب المنحوتة
إلى غير ذلك من ضلالهم ، نعوذ بالله من الضلال عن الهدى .
ألا تسمع إلى قول قائد المعتبرين وإمام المتقين ، خليل الرحمن - صلوات الله
وسلامه عليه - كيف قررهم على ضلالهم فطفق يتقيد على وضعهم للأصغر
ثم للأكبر منه ، ثم للأكبر منهما في كل ذلك يريهم استحالة ما ظنوه عندها ، ولما
فرغ من ذلك قال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا
مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) .
وإنما جعل الله - جلَّ جلالُه - هذه الفرطة في النفوس لترجع إليها عند جورها عن
سواء قصدها وبثها في السماوات والأرض ، وأوجدها في جميع الموجودات ،
لتأتم العقول بها في مهامة التوهم ، وتستنير بنورها في الظلمات ، وتقتدي بمعارفها
في مضائق المشكلات حال تطوافها في أسفار أفكارها ، وترجع إلى حقيقتها
إلى مجاهل جهالاتها ، والله عليم حكيم .
والرب جل ذكره هو المنعم ، يرب نعمه على المنعم عليهم ، وهو المالك بوجه
أيضًا ، فقال الله جل ذكره لهؤلاء ينبههم من نومتهم ، ويرشدهم إلى الحق عن
ضلالهم: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى