كذلك تنهى عن الفحشاء والمنكر لا بد ولا محالة ، وقرأ الربيع بن أنس:"إن الصلاة"
تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر"."
(فصل)
أعلم - وفقك الله - أن الذكر عمود نور الإيمان والإسلام والعمل ، عنه تنبعث
الأعمال وبه تقوم ، وهو معناها الذي لأجله جعلت ، وإنما نوعت الأعمال لتنويع
الذكر وتوزيعه على أذكار الأسماء والصفات والمدائح ، وإظهار المحامد له والثناء ،
ألا ترى أن أصحاب الجنة إنما أبقى عليهم من العبادات الذكر ، حسب فهم يلهمون
التسبيح كما يلهمون النفس (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ
دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) .
والذكر في القلب ثم ينبسط على اللسان المعنون عن القلب ، ثم ينبسط الذكر
على الجوارح أعمالًا وحركات على سنن الاقتداء ، وذكر العبد الله بأسمائه ومحامده
كلام للعبد ، وإن كان الذكر كله مذموم في الكتاب معلوم في الوحي ، فهو على ذلك
كلام له ، فإذا قرأ القرآن وإن كان كلامًا لله - جل ذكره - تلاوة للعبد ، لأنه وحي ،
وتلاوته إياه إتباعه نفسه وإشهاده ذاته وإلقاءه إليه سمعه ، فهو ذكر وتلاوة ، والوحي
كلام لله العلي الكبير: سبحانه وله الحمد .
وخطابه هذا لرسوله خطاب لعباده المؤمنين على أعلى الذكر وأقربه منه وأحبه
إليه ، وعلى أنه ما تلا أحد كتاب ربه وتوخى في ذلك مرضاة ربه - عز وجل - مستبصرًا
مستصحبًا له إلا قام عنه بزيادة لا بد ولا محالة ، ثم بحسب ذلك على المداومة
يعلى به إلى علي العلم ورفع الذكر ، ويجعل له فرقان يفرق به بين المشتبهات ،
ونور يمشي به في الظلمات ما استصحب ذلك ، فإن الله لا يمل حتى تملوا ، ثم بإقام
الصلاة يعمر قلبه ذكرًا ويشرح صدره نورًا وتملؤ جوارحه عبادة ، فتخف جوارحه
للعبادة وتأنس بها ، وتنازعه نفسه إليها ، كما كانت قبل تنازعه إلى شهواتها ، لأن
الذي كان يأمرها بالفحشاء والمنكر معزول عنها الآن مبعد عنها .
قال الله - عز وجل -: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) فيومئذٍ تكون
راحته العبادة وأنسه بها وعيشه فيها ، ويلحق بالمنزلة التي عبر عنها قوله - عزَّ من