فهرس الكتاب

الصفحة 2551 من 2809

كالمعهود أيضًا من الجنان في الدُّنى ، معنى قوله هذا: إني جعلت

الدنيا على شبه من الآخرة ؛ إذ عنها خلقتها وإليها أعيدها ، فقال - وقوله الحق - في

تينك الجنتين الأولين: (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) وقال في

هاتين: ( فِيهِمَا فَاكِهَة ) وقوله هذا إحالة منه على ما في قوله: إن

فاكهتها كثيرة (لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ(33) . لكنه خص هاتين بذكر

النخل والرمان وإنما تكونان فيما هنا في الخريف .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا طلع النجم أمنت العامة"يعني: إن الثمر قد بدا

صلاحه فيصلح حيئذٍ للبيع ، فخص ذكر هاتين الفاكهتين تنبيهًا على هذا الاعتبار ،

ولوجه آخر من العبرة أيضًا ؛ وذلك أن النخيل فيما هنالك والرمان فيهما الكساء

لأهل الجنة ، ولهم فيهما نساء وولدان ونخيل وغير ذلك من موجودات الجنة ، آية

ذلك فيما هَاهُنَا أنهما يؤكلان ؛ فيكون عنهما المني ، فيوضع في قراره فيخلق الله عن

ذلك في الأناسي أناسي ، ومن الحيوان غيره حيوانًا مثله .

والله - جلَّ جلالُه - خلق الدار الآخرة أولًا ، وإنما سماها: آخرة ، بالإضافة إلى كوننا في

هذه الدار أولا ، وسمى هذه لذلك: دنيا ، ثم خلق ما خلق في هذه الدار عما أخرجه

من تلك كما خلقنا عنها ، كذلك يعيد جميع ما خلقه إلى الآخرة ؛ لأنه بدأ الكل

عنها ، فمن واجب الحكمة وحقيقة الوجود أن يرجع الكل إليها حتى لا يبقى من

هذه نباتًا ولا حجرًا ولا مدرًا ولا ورقة ولا رطبًا ولا يابسًا إلا قد أثبته في كتاب

مبين ، ليعيده إلى الدار الآخرة كما بدأه عنها ، كحكمه فيما خلقه من الأرض أن

يعيده إليه ، وكلما قدره بتقديره وكما أبدأ الخلق من وجوده العلي كذلك يرجعهم

إليه (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(19) .

كذلك لما بدأ الخلق يعيده ، سنة اللَّه لا تبديل لكلماته التي أتمها صدقًا وعدلًا ،

فالخيرات من الولدان والنساء والخيول موجودون في باطن الزمان ، والنخيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت