اسم العبرة: وكان قد أبطنها قبل وإن كانت هي المقصود المطلوب ، قرئت:
"نسقيكم"برفع النون وفتحها من سقى وأسقى لغتان في ذلك (مِمَّا فِي بُطُونِهِ)
أتى بالضمير على المذكور ؛ أي: على الجنس مذكرًا والأنعام مؤنثة ، عساه رد
الضمير على المذكور أو على الجنس أو على النعم ، ذلك كله جائز سائغ(مِنْ بَيْنِ
فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ).
هذا وصف مشار به إلى موجود اللبن في الجنة ، وإن ذلك على أكرم الوجود
وأفخم الوصف ، وأشار إليه بقوله: (لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) أي: سهلًا في
الشرب إلى ما هنالك على شريطة التفضيل والكرم .
(تنبيه) :
ليس بأنه يجري اللبن بين الفرث والدم ، إنما معنى ذلك: إن الغذاء
الذي يكوِّن الله منه لبنًا إذا بلغ تلك الأوراد وتحصل في العضو أحاله الله لبنًا ، كذلك
سبيل الدم إذا بلغ الغذاء الكبد وتقسمته العروق أحاله دمًا في الكبد ،
وأما الفرث: هو نقل الغذاء ، فإنه يذهب على سبيله ، فالغذاء هو بين أن يكون
منه فرث ودم ولبن ، لكن اللبن والدم والفرث باطن في الغذاء المتغذي به ، بل
الروث والعظام والمخ واللحم والعضل والعصب والرباطات وجميع أجزاء الجسم
باطن في الغذاء ، بل الصفات والأخلاق والجبن والشجاعة والعلم والعقل والعلم
والغضب والرضا والهوى والحمق إلى غير ذلك باطن في الغذاء ، يخرجه القادر
العليم الخبير ، فيظهره عن باطن الأغذية .
يقول الله جل ذكره للأغذية المتغذى بها: (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا)
يخرج عن ذلك بإذن الله اللحم والعضل والشعر والبشر وجميع أجزاء
الجسم ، ثم الصفات والأخلاق والأعراض الظاهرة والباطنة ، وكذلك الأعمال كلها
حسنها وسيئها ، ثم الحفظ والذكر والوهم والفهم والميز والفكر والفطنة ، وجميع
توابع الوجود ، والله - جلَّ جلالُه - يأمر ويأذن للملائكة أن تكتب ، ويخلق الله خلقه ، ويوجد