يقول - جل من قائل: أولم ينظر الإنسان إلى حاله نطفة أين هي من حاله
يخصم خصمه ، ويجادل في آيات ربه بغير سلطان أتاه ، يثني عطفه وينأى بجانبه
ويكذب رسله ، ويمكر مكر السوء على عباد الله وأنبيائه ، يسعى بالفساد ليهلك
الحرث والنسل ، ويصد عن سبيل الله سد الله أبواب الماء لشؤمه فتجدب من أجله
الأرض وتقل بركاتها ويشمت به العدو إبليس ، وتبتئس لفعله الملائكة والمؤمنون
لقبائحه وعظيم جرائمه ، بل يدعو إلى نفسه ويدَّعي النبوة فيكذب على الله تعالى
وربما دعا إلى نفسه واستعبد العباد وادَّعى الربوبية من دون الله .
وبالضد أين كان حاله إذ كان نطفة من كونه خصيمًا لأعداء الله ، مبينًا عن نفسه
وما في قلبه من حقائق معرفة الله بأسمائه وصفاته ، ينظر ويعتبر ، ويرى بنور إيمانه
الدار الآخرة بأهوالها ، والصراط والحوض والميزان والجنة والنار ماثلًا كله بين
عيني فؤاده ، وربما مصر الأمصار وجند الجنود واقتاد الجيوش وعلم العلوم وعبر
عن ربه من وحيه ، وكان لسانًا من ألسنة الله بين عباده وعينًا من عيونه في أرضه .
هذا إلى قربه من ربه - جل ذكره - وولايته وتكليمه إياه ومحادثته وإلهامه ،
وكونه منه موضع النظر والسعي والبطش والسمع والبصر ، يجيب دعاءه ويكرم
صوته ، ويرحم تضرعه ويحب أعماله ، يكشف به البأساء ، ويدفع لأجله عن أهل
الأرض البلاء ، ويفتح له أبواب السماء بالرحمة وينزل به البركات والنصر ، بل أين
حاله نطفة من كونه خليلًا للرحمن - عز جلاله وتعالى علاؤه وشأنه - ومصطفى
ونبيًّا ورسولًا يسأل بينه وبين عباده ويرشدهم إليه سبحانه وله الحمد ، ما أكرم
صنيعه وأتقن ما خلقه ! .
أين كانت حاله هذه أو التي قبلها من حاله نطفة من ماء مهين أصلها الطين ؟
أليس الذي بلغ النطفة إلى ما تقدم وصفه وأنهى الطين هذه النهاية وإلى أعلى من
هذا وأفخم أن يعجل في النطفة ما أخره ، ويظهر فيها ما أبطنه ، ويبطن ما أظهره ، وما
هذا في القدرة بأعجب من فسح القبر سبعين ذراعًا وللغريب مقدار ما بينه وبين
بلده ، وأن يجعل القبر روضة من رياض الجنة ، ومن تحقيق حال يقتضي قول الله -
جل من قائل: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ(88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89)
إلى آخر السورة .