فهرس الكتاب

الصفحة 2191 من 2809

يقول - جل من قائل: أولم ينظر الإنسان إلى حاله نطفة أين هي من حاله

يخصم خصمه ، ويجادل في آيات ربه بغير سلطان أتاه ، يثني عطفه وينأى بجانبه

ويكذب رسله ، ويمكر مكر السوء على عباد الله وأنبيائه ، يسعى بالفساد ليهلك

الحرث والنسل ، ويصد عن سبيل الله سد الله أبواب الماء لشؤمه فتجدب من أجله

الأرض وتقل بركاتها ويشمت به العدو إبليس ، وتبتئس لفعله الملائكة والمؤمنون

لقبائحه وعظيم جرائمه ، بل يدعو إلى نفسه ويدَّعي النبوة فيكذب على الله تعالى

وربما دعا إلى نفسه واستعبد العباد وادَّعى الربوبية من دون الله .

وبالضد أين كان حاله إذ كان نطفة من كونه خصيمًا لأعداء الله ، مبينًا عن نفسه

وما في قلبه من حقائق معرفة الله بأسمائه وصفاته ، ينظر ويعتبر ، ويرى بنور إيمانه

الدار الآخرة بأهوالها ، والصراط والحوض والميزان والجنة والنار ماثلًا كله بين

عيني فؤاده ، وربما مصر الأمصار وجند الجنود واقتاد الجيوش وعلم العلوم وعبر

عن ربه من وحيه ، وكان لسانًا من ألسنة الله بين عباده وعينًا من عيونه في أرضه .

هذا إلى قربه من ربه - جل ذكره - وولايته وتكليمه إياه ومحادثته وإلهامه ،

وكونه منه موضع النظر والسعي والبطش والسمع والبصر ، يجيب دعاءه ويكرم

صوته ، ويرحم تضرعه ويحب أعماله ، يكشف به البأساء ، ويدفع لأجله عن أهل

الأرض البلاء ، ويفتح له أبواب السماء بالرحمة وينزل به البركات والنصر ، بل أين

حاله نطفة من كونه خليلًا للرحمن - عز جلاله وتعالى علاؤه وشأنه - ومصطفى

ونبيًّا ورسولًا يسأل بينه وبين عباده ويرشدهم إليه سبحانه وله الحمد ، ما أكرم

صنيعه وأتقن ما خلقه ! .

أين كانت حاله هذه أو التي قبلها من حاله نطفة من ماء مهين أصلها الطين ؟

أليس الذي بلغ النطفة إلى ما تقدم وصفه وأنهى الطين هذه النهاية وإلى أعلى من

هذا وأفخم أن يعجل في النطفة ما أخره ، ويظهر فيها ما أبطنه ، ويبطن ما أظهره ، وما

هذا في القدرة بأعجب من فسح القبر سبعين ذراعًا وللغريب مقدار ما بينه وبين

بلده ، وأن يجعل القبر روضة من رياض الجنة ، ومن تحقيق حال يقتضي قول الله -

جل من قائل: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ(88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89)

إلى آخر السورة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت