مثال ذلك: أن يهم العبد بالشيء من هواه ليس لله رضا ، فتعزم نفسه عليه
بالإنفاذ وشهوته تزعجه وعدوه يزين له ، والفضل من الشَّيَاطِين تارة وإيمانه يأبى
ذلك عليه ، وعظة الله في قلبه تزجره فيتردد بين هذين ، فهو في جنس نفسه
وانبساطها على الإنفاذ ، فتيقنت أن المحمود من ذلك معنى الصبر .
ومنه قتل النفس صبرًا إنما هو إمساك المقتول عن التفلت والهرب عن القتل ،
فحاله تلك التي أبدلها من مراده الذي هو الهرب والنجاة هو المعبر عنه بالصبر ،
فأهل النار - أعاذنا الله الرحيم منها برحمته - ليس لهم عليها صبر ، ولو جعل الله
لهم عليها صبرًا لكان ذلك بهم رحمة ، ومعونة لهم على ما هم بسبيله ، وكان يحمل
عنهم صدق الصبر الكبير من آلامهم ، بل قد استوى في حقهم الجزع والصبر ،
وجنح بهم الأمر إلى خالص الجزع حتى قالوا: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا
مِنْ مَحِيصٍ (21) .
وإنما ذلك - والله أعلم - أن الله خلقهم خلقًا يحملون به عذاب النار ، ألا ترى
أن أحدًا لو جعل في نار الدنيا على ما هي عليه من الضعف بالإضافة إلى تلك ما
يبقى فيها إلا ريثما يلتهب لهبًا وسعرًا وأكلًا له وإعدامًا دون زمان ؟! وأهل النار -
أعاذنا الله الرحيم برحمته منها - قد كتب عليهم البقاء فيها حتى تتخللهم ظاهرًا
وباطنًا كما تتخلل زبر الحديد هَاهُنَا حتى يكون نارًا ، بل أحر من النار ، فهو أبدًا
يلتهب عليه اللهب منها فتتوقد ، كما قال عز من قائل: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"واطلعت في النار فإذا عذاب الله شديد ، لا تقوم له"
الحجارة ولا الحديد بمقدار ما ترزأ النار فيه شيئًا"يخلف الله - جلَّ جلالُه - مثله كما تقدم"
في النظر في أجسام أهل الدنيا ما تخلل منها الهواء ، يخلفه الله جل ذكره بالغذاء
دون غذاء أيضًا ، كالجبال والصخر وجميع الموجودات(وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا
جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)يقول - عز وجل - على هذا:
(أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88) .