بالغة له في إتمام كلمته (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54) .
وهذا المعنى المتوهم لا وجود له في الحقيقة ، وإن كان الله جل ذكره قد أثاره
في أثناء الخليقة ، وهو ما عبَّر عنه حرف النفي من قول:"لا إله إلا الله وحده لا"
شريك [له] "وهو أيضًا ما عبَّر عنه ما سبح عنه نفسه وتعالى عنه ، وهو مستحيل الوجود"
معبر عن عدمه معرب عن استحالة وجوده في أكثر أنواع الأذكار ، كقوله جلَّ قوله:
(قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ) .
(لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ
الْقَهَّارُ (4) .
(لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا) .
هذا وشبه هذا مما قد شهدت به الشواهد ، وأصفق جميع الوجود على
الإجماع باستحالة وجوده ووجوب عدمه ، فخلق - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه من
خالص النور ما شاء ، وأوجد عن ذلك الظلام ما شاء ، ثم من ممتزجها ما قد سبق
به كتابه ووسعه علمه ، فهو الله لا إله إلا هو الواحد الأحد ، خلق واحدًا ، أوجد عن
ذلك الواحد واحدًا أوجد عنهما الكثرة العليم الحكيم .
(فصل)
في هذا الخطاب إيماء وتعريض بالحض ، بل بالإيجاب باعتبار خلقه جملة
المخلوقات ، فمن حيث هو فاعلها وصانعها وخالقها دلَّ على وجوب وجوده العلي
-جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ، كما دلت الكتابة على الكاتب والبناء على بانٍ والفعل
على فاعل ، ثم دل بذلك على أن المفعول الجزئي لا يشبه فاعله: كما لا يشبه البناء
بانيه ، ولا الكتابة كاتبها ، إذ هي أنواع لا تمام فيها سوى أنها مفعولات فقط ، فقد
أعطت من الدلالة دلالة على وجود الفاعل ، لكن الباطن الناظر يحتاج أن يضيف
إليها نظيرًا آخر ، أو لما صعدت الموجودات إلى أجناس دلت بحياتها ، على أن
فاعلها حي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وبعلمها على أن فاعلها عالم وبإرادته قدرها ، ونحو
هذا كله صفة ومعنى على ما كانت عنه ، ومن هو موجود له ، ومنه وهو الحق أوجده