فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 2809

الكتمان وأظهرت النصيحة والتبيان ، فمن كتم الحق عن طالبه لعنه كل شيء من

ليس من شأنه الكتمان .

وأقل ما في ذلك أنه تباعدت صفاته من صفاتها كما تباعدت من صفات الحق

المبين (وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) هذا إلى المعهود

المعلوم من أن كل ما رضي الله عنه رضى عنه كل شيء وبالضد ، وأحوال الناس

مختلفة في الفطن عن الموجودات والفهم عنها .

أما الكفار فهم عمي صم بكم أموات غير أحياء ، إن بعثوا من موتهم ذلك

بالتنبيه والنصيحة لا يشعرون أيان يبعثون ، وأهل الغفلة من عموم المؤمنين كالعمي

عن هذا البيان ، والبكم عن النطق به والصم عن سماعه إلا قليل ، كأنما(يُنَادَوْنَ مِنْ

مَكَانٍ بَعِيدٍ)لكنهم إن بعثوا من نومنهم ذلك أوشك أن ينتبهوا

ويشعروا به ، وربما يستيقظوا ولم يشعروا لما أوقظوا له وشعورهم على قدر

حياتهم ، فالموجودات من حق هؤلاء بكم ، وهم في غيبة عن حضرتها ومشاهدتها .

وأما العباد من المؤمنين المعتبرين فهم كالرجل المبصر من وراء غمامة ، وهم

مع ذلك صم عن سماعها ، لكن عن ذلك يلقون بعض معارفها ، ويلقنون بعض

مراداتها بمعاني تسبق إلى أفهامهم ، وإشارات تومئ بها إلى ذواتهم شبيهة بالتوسم

والتفرس ، وهم متفاوتون في فهم إشاراتها وتلقي معارفها على مقادير أفهامهم

وصفاء بواطنهم ، وإقبالهم على استرشاد الموجردات ، يتفاضلون في حظوظهم منها

كما يتفاضل المخاطبون الأبكم والشديد الخرس ، لكثرة تأنسهم بمذاهبه ، ومعرفتهم

بمواقع إشاراته.

وأما أهل العبرة من الصديقين والأولياء ، فالرجل الموصوف بالسمع والبصر

وهو في بواديها ومواطن حضرتها لكنه كالذي في بصره خفش ، وفي سمعه طرش

هذا حالهم المستصحبة لهم ، قد تبدَّى جلَّ ذكره لهم من علاماتها وحقائق إشاراتها

وسماع هواجس تسبيحاتها؛ وليس ذلك عن وعد وعدوا ولا عن قصد وتعرض

لذلك .

ثم يرجعون من أنفسهم إلى أحوالهم المصاحبة لهم من خفش وطرش ، وهم

على درجات ومقامات في خفة ذلك ورقة ، وكشفه عنهم ، متفاوتون في صفاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت