فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 2809

-وتارة يذكره بما نصب من العبر والعلامات ، وما استشهد به من الشواهد

وأقام من البينات وأثار من آيات ، فيتولد عن ذلك زوائد اليقين .

-وتارة يذكره بأن بيده مفاتح الأمور ، مبادئها منه ظهرت وإليه تعود ، فيولد

عن ذلك فناؤه عن نفسه وبقاؤه بربه .

ثم أعلم - وفقنا الله وإياك - أن أفضل الذكر: الذكر في الذكر ، وهو عند الغفلة

أن يذكر في ذكره إنعامه وفضله وإحسانه ، ويلزم نفسه الإعظام والإجلال ، وألا

يطالب نفسه بذكر الحقيقة ، فقد قالوا: حقيقة الذكر العجز عن الذكر ، وقالوا: لم

يذكر اللهَ العبدُ إلا عند الغفلة ، ولولا الغفلة لم يقدر على الذكر كما قل: لو يعلم

اللسان من يذكر بحقيقة الذكر لجف في الحنك .

شاهد هذا من القرآن العزيز قوله جل قوله:(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ

لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا).

وقوله - عز وجل -: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) ولو تجلى

المذكور جل ذكره للقلب بالذكر حال الذكر لانصدع وتدكدك كما تدكدك الجبل

للمجتلى ، وإنما ذلك على قدر إرادته ومشيئته .

ومن أحسن الذكر: ما هاج عن خاطر وارد من المذكور جلَّ ذكره ذلك الخفي

عن الاستئثار المتمكن في الأسرار من الذكر في الذكر أن يكون القلب فارغًا من

الكل ، فلا يبقى فيه غير الله جل ذكره ، فيصير القلب بيت الحق ، ويمتلئ منه فيخرج

الذكر عن غير قصد ولا تدبير ، وحينئذٍ يكون الحق المبين لسانه الذي ينطق به .

فإن بطش هذا الذاكر فيكون يده التي يبطش بها ، وإن مشى يكون رجله التي

يمشي عليها ، وإن سمع كان سمعه الذي يسمع به ، قد استولى المذكور الحق على

الفؤاد فامتلأ به ، وعلى الجوارح فصرفها إليه ، جعله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه على

إشارته وموضع تكليمه ومحادثته من غير اتحاد ولا حلول ، بل قدرة من عزيز عليم ،

فكذلك يخرج الذكر من غير تكلف ، وتتخرج الأعمال بالطاعة له في كل ما يكون

منه من تصرف وقدر .

وصرف الله - جلَّ جلالُه - قلب"موسى - عليه السلام - بمعنى ذلك في قوله:(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ"

مُوسَى فَارِغًا) أي: فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى - عليه السلام -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت