-وتارة يذكره بما نصب من العبر والعلامات ، وما استشهد به من الشواهد
وأقام من البينات وأثار من آيات ، فيتولد عن ذلك زوائد اليقين .
-وتارة يذكره بأن بيده مفاتح الأمور ، مبادئها منه ظهرت وإليه تعود ، فيولد
عن ذلك فناؤه عن نفسه وبقاؤه بربه .
ثم أعلم - وفقنا الله وإياك - أن أفضل الذكر: الذكر في الذكر ، وهو عند الغفلة
أن يذكر في ذكره إنعامه وفضله وإحسانه ، ويلزم نفسه الإعظام والإجلال ، وألا
يطالب نفسه بذكر الحقيقة ، فقد قالوا: حقيقة الذكر العجز عن الذكر ، وقالوا: لم
يذكر اللهَ العبدُ إلا عند الغفلة ، ولولا الغفلة لم يقدر على الذكر كما قل: لو يعلم
اللسان من يذكر بحقيقة الذكر لجف في الحنك .
شاهد هذا من القرآن العزيز قوله جل قوله:(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ
لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا).
وقوله - عز وجل -: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) ولو تجلى
المذكور جل ذكره للقلب بالذكر حال الذكر لانصدع وتدكدك كما تدكدك الجبل
للمجتلى ، وإنما ذلك على قدر إرادته ومشيئته .
ومن أحسن الذكر: ما هاج عن خاطر وارد من المذكور جلَّ ذكره ذلك الخفي
عن الاستئثار المتمكن في الأسرار من الذكر في الذكر أن يكون القلب فارغًا من
الكل ، فلا يبقى فيه غير الله جل ذكره ، فيصير القلب بيت الحق ، ويمتلئ منه فيخرج
الذكر عن غير قصد ولا تدبير ، وحينئذٍ يكون الحق المبين لسانه الذي ينطق به .
فإن بطش هذا الذاكر فيكون يده التي يبطش بها ، وإن مشى يكون رجله التي
يمشي عليها ، وإن سمع كان سمعه الذي يسمع به ، قد استولى المذكور الحق على
الفؤاد فامتلأ به ، وعلى الجوارح فصرفها إليه ، جعله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه على
إشارته وموضع تكليمه ومحادثته من غير اتحاد ولا حلول ، بل قدرة من عزيز عليم ،
فكذلك يخرج الذكر من غير تكلف ، وتتخرج الأعمال بالطاعة له في كل ما يكون
منه من تصرف وقدر .
وصرف الله - جلَّ جلالُه - قلب"موسى - عليه السلام - بمعنى ذلك في قوله:(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ"
مُوسَى فَارِغًا) أي: فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى - عليه السلام -