بل ذلك هو كما أخبر الله عنه بطريق الحق المفطور عليه الخليقة لا تبديل له ، وهذا
الحق الموجود في جميع الموجودات هو أن كل شيء إليه صامد ، وله قانت عابد ،
حتى الأمم العاتية والقرون الطاغية في أول جبلتها ، حال سيرتها وجهت هممها
نحوه ونوت قصده ، فرمت بسهام هممها شطر سبيله ، واعترضها اللعين المبلس دون
ذلك ، فاختلفت مسالكها اختلاف سهام رماه الغرض منها الصادف والهادف ،
والقاصر والعائر ، والزاني والصائب ، والمقرطس قليل .
يقول الله - جل قوله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ)
وقال: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(13) . هذه حال مبعثهم ثم
هؤلاء كلما حل لهم الاضطرار وتكشطت عنهم ملابس العوافي رجعوا إليه بالتضرع
والجوار ، فإذا كشف الضرَّ عنهم رجعوا إلى ما كتب عليهم من الكفر به والتكذيب .
يقول الله - جل من قائل: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا)
أي: فعلنا بهم ذلك من تنبيههم باضطرارهم ؛ لنوقظهم من نومهم ونذكرهم في
غفلتهم ، ثم أرجعناهم إلى ما هم به راضون وعليه عاملون(لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ
وَلِيَتَمَتَّعُوا)ولله الحكمة الناهية والحجة البالغة ، وهو العزيز الحكيم .
وقد دلَّ على ذلك حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عن ربه - عز جلاله:"إني"
خلقت عبادي كلهم حنفاء فأتتهم الشَّيَاطِين فاجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا
بي ما لم أنزل به سلطانًا"اجتالتهم: من الجولان ، اجتالت الشَّيَاطِين أنفسهم ثم"
أمروهم بذلك فاجتالوا معهم وهو كجولان الفرس حول أخيته .
قوله تعالى: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي: الذي أقام به السَّمَاوات
والأرض ، والقيمة: هم الملائكة والأنبياء والمرسلون والمؤمنون المسلمون ، ثم