قوله تعالى: (وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ)
قيل: الأعراف: موضع مشرف بين الجنة والنار ، وربما سُمي الموقف والموضع
بمعنى أهله ، فالله أعلم .
والأقرب أنهم قوم قد عجزت حسناتهم عن أن تدخلهم الجنة ، ولم تبلغ بهم
سيئاتهم أن تدخلهم النار ، وكانوا مع ذلك يعرفون في الدنيا ، ويعرفون كشهادة
الرؤساء وأشباههم ، فوقفوا لتخلفهم بموضع مفترق الجمع ، فتمر بهم زمر أهل
الجنة ذات اليمين ، وزمر أهل النار ذات الشمال نعوذ بالله من سوء المصير ، يعرف
الأولون منهم الأولين من أهل النار ويعرف الآخرون الآخرين بسيماهم ، سيماء
هؤلاء سواد الوجوه وزرق العيون ، قد غشيتها الغبرة وترهقها القترة ، ومن سيماهم
وسم على الخراطيم ، فعدل بصورتهم عن صورة الحق إلى صورة الخنازير والقردة ،
وأنواع الحيات التي كانت طباعهم تميل إليها ، ومن سيماهم كتب بشمائلهم ،
وسيماء المؤمنين بياض الوجوه واستبشارها وضحكهم ، كتبهم بأيمانهم مكرمون .
ووجوه أصحاب الأعراف إلى الجنة كما كانوا في الدنيا قلوبهم ووجوههم إلى
الإسلام والإيمان ، ينادون أهل الجنة بالسلام والترحيب والتهليل والتلبية ،
وأصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في رحمة الله جل ذكره ، ثم
تصرف أبصارهم إلى أصحاب النار فيرون سوء مصيرهم فييئسون ، ثم يبتهلون
إلى ربهم يقولون: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(47) .
ويعرف أصحاب الأعراف منهم رجالًا كانوا في الدنيا رؤساء متبوعين
فينادونهم: (مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ(48)
فيجيبهم أولئك ينقمون عليهم موقفهم ذلك ، يعيرونهم باحتباسهم