فكذب بآياته (وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ) لأهل الإيمان الأول (وَرِضْوَانٌ) لأهل الإيمان
العلي (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) إنها لا تسر بقدر ما تغر ،
أيها العبد انتهج محجة اهتدائك ، وعالج معالجة دائك ، وأفرع نفسك فهي أكبر
أعدائك ، إلى متى تستمر على ظنك ، وتستمرئ مرعى يعنك ، تبارز بمعصيتك ، مالك
ناصيتك ، وتواري عن قريبك ، وأنت بمراء رقيبك ، أتظن أن ينفعك حالك إذا حان
ارتحالك ، أو ينقذك مالك حين توبقك أعمالك ، طال ما أيقظك الدهر فتناعست ،
وتجلت لك آيات الوجود بالعبر فتعاميت ، وذكرك الموت فتناسيت ؛ ذلك لأنك
تؤثر فلسًا توعيه على ذكر تعيه ، وتختار قصرًا تعليه على بر توليه ، وترغب عن هاد
تستهديه إلى مال تقتنيه ، وتغلب حب ما تشتهيه على ثواب تشتريه ، وأنت تأمر
بالمعروف وتنتهك حماه ، وتحمي على النكير ولا تتحاماه ، وتزحزح عن الطلب
غيرك وأنت تغشاه ، وتخشى الناس والله أحق أنت تخشاه .
اذكر أيها الغافل وشمر أيها المقصر ، وإياك أن تطيع أحدًا في معصية الله ، وأن
ترضي أحدًا بإسخاط الله ، وإن من أشد الشدائد على العبد: أن يخرج من الدنيا وهو
يحبها ، ويدخل في الآخرة وهو يكرهها ، ويلقى الله - جلَّ ذكره - وهو يكره لقاءه ،
قد خلف ماله لمن لا يحمده ، وانقلب إلى ربٍّ لا يعذره ، تيقظ فوالله ما يغني عنك
ندمك إذا زلت قدمك ، ولا يعطف عليك معشرك إذا ضمك محشرك(وَإِنْ تَدْعُ
مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى).
(فصل)
للإيمان أول وأعلى ولا آخر له ، فالأول منه إليه الدعاية الأولى دعاية الرسل
الكفار والمشركين ، والأعلى إليه الدعاية الثانية .
يقول الله - جل ثناؤه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي
نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ)ولم يخاطبهم باسم
الإيمان وناداهم به إلا وقد علم منهم الإيمان ، لكنه دعاهم إلى أن يصعدوا بهممهم
علوًا إلى رفيع درجاته في النظر في الآيات واستشهاد الشواهد في الأرض
والسماوات ، ويعرف الحق المخلوق به الخليقة وتدبر الكتاب والتيقظ لسر المراد ؛