فهرس الكتاب

الصفحة 2206 من 2809

إذ خمر الدنيا لنزفها عقولهم يختلف عنها قيامهم ، كلما اغتالت عقل أحدهم قام

عنها أو أقيم منزوف العقل فقيده يتخبط حمقًا أو يهمد سكرًا ، كما قال بعضهم:

وما زالت الكأس تغتالنا ... وتذهب بالأول فالأول

فجمعهم عليها يتصدع ، ورءوسهم تنجع ، وخمرهم تنزف ، أي: تنم وعقولهم

تفقد ، لذلك كان جزاء شرابها المعاودين لها أن يسقوا من طينة الخبال عصارة أهل

النار .

وسميت خمر الدنيا: خمرًا ، لأنها خامرت العقول ، أي: غطتها وسدت عليها

مسالك النور إليها ، فمنعته اتصال نوره بالنور المبين المعد له من منبعثه بالسكر

الذي جعلته له في مجرى ذلك النور من علو ، ثم خالطته بصفاتها فأسفلت به

لانطماس المزيد بالنور المتصل بالإيمان ، فانفردت لذلك صفات الجهل بأفعالها ،

ولذلك لا يجتمع الخمر مع إيمان في جوف واحد .

سميت خمر الدنيا بأسماء كثيرة حتى لقد بلغوها تسعة وتسعين اسمًا ، اسم

مريدها ما سماها المسلمون به ، فإنهم يسمونها بالإثم ، قال شاعرهم:

شربت الإثم حتى زال عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول

فالإثم يذهب بعقل الإيمان ، والخمر يذهب بعقل الإنسان ، ثم يكر على عقل

الإيمان فتذهب بهما معًا من حيث هي إثم .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".

وقال عثمان: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ، وإنه والله لا يجتمع الخمر

والإيمان أبدًا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه ، وسميت خمر الجنة خمرًا وهي

الأصل ؛ لأنها خامرت العقل والصفات بضد ما خامرتها خمر الدنيا ، بل أعلت بها

علوًا ، وسلكت بها سبيل اتصال النور بمنبعثه ، وطارت بها إلى وليها بما هي تسنيم

وسلسبيل ، ولأوصاف لها وأسماء أرادها بها خالقها فهي تخالط حقًا ، فتوجهه إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت