جعل الله جلَّ ذكره لهن من أمره في طلوعهن ، وحلولهن في محالهن من أفلاكهن
مع اختلاف الأوقات والشهور والأزمان ، وما قد حفَّ بذلك الأمر من ملائكته -
على جميعهم السلام - لتنفيذ ذلك الأمر عنه بإذنه يقولون ، وبإقراره إياهم يعملون .
يقولون له: ألا ترى ما تصنعه الشمس من أمر كذا وكذا والقمر ؛ وربما عددوا
منافع ومضار جعلها الله من أمره كما تقدم ، فكان ذلك له هداية ، وفي حقهم فتنة
وعمى عن رؤية الفاعل المسخر المدبر - جلَّ وعلا - فاكتفى - عليه السلام - بما هو من عنده
من علم الله - جلَّ جلالُه - ، وتدبيره بها الكفاية كلها ، فقال: (أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ)
يقول: وقد هداني إلى أن كل ما تذكرونه من أمر تضيفونه إليهن ، فهو
أمر الله وتدبيره وحده لا شريك له ، وحرفوه بما زعموا أنه كائن عنهن في حال
طلوعهن وغروبهن ، ومقابلتهن على نسب يتظننونها أوجدوها ، حقيقتها لله جلَّ ذكره
وهو الأول فيها ، والآخر والظاهر والباطن .
كذلك قال قوم هود - عليه السَّلام -: (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)
فقال إبراهيم - عليه السلام -: (وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ
شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) . ولو تذكروا لأبصروا أن كل الأفاعيل التي
يظنونها عندها هي من الله - جلَّ جلالُه - ، وقد وقت لكل مفعول ظهورًا ، وشرَّع لمخرجيه
ومظهريه من الملائكة المدبرات الأمر - عليهم السلام - أن يظهروا تلك الآيات
بإذن الله ، ومشيئته عند طلوع الشمس والقمر أو أي الكواكب كان ، أو غروبها ، أو
توسطها السماء ، أو مقابلتها لسواها ، وعلى نسب معلومة محدودة قد حدَّها - جلَّ جلالُه -
لمدبرات الأمر من الملائكة عليهم السلام .
وكما قد أمرنا نحن بامتثال فعل الصلوات في أوقات مطالع الفجر الكائن عند
ظهور ضوء الشمس قبل طلوعها واستوائها ، وحال جنوحها إلى الغروب وقت
غروبها عند غروب الشفق الكائن ، عند بقايا ضيائها بعد غروبها ، وجعل - جلَّ جلالُه - ذلك
على حدود معلومة في كل صلاة أوائلها وأواسطها وأواخرها ، كل ذلك بحدود
جريان الشمس وظهور الظلام وزواله .
ولا يقال: إن صلاتنا هي للشمس ، ولا أن عبادتنا هي للكواكب لأجل ذلك ،
وكذلك جعل حد الصيام طلوع الفجر ، والفطر غروب الشمس ، وقال - صلى الله عليه وسلم -:"صوموا"