الرؤية مع ما في ذلك من طريق النظر ، وسنن التفكر وكيف الاعتبار ، وأنه صعود في
مكان منظور فيه معتبر به إلى ما هو هذا آية عليه ودليل إليه ، وكانت رؤية النيرات
الكوكب والقمر والشمس آيات على رؤيته لما لها من نور وتبعها من أمر(اللَّهُ نُورُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ).
وأما تبرؤه - عليه السَّلام - من الكواكب لأجل أفولها فيما سبق إليه من وحي ، أو تعريف
بأن الحق المبين لا أفول له ؛ إذ الأفول فقد وعدم وجود ، مع ما في ذلك من تنقل
وتغير وقطع مسافة ، وليس كالحجاب فإنه يحجب عنه خليقته ويحتجب عنها ، وبما
شاء وكيف ، لا إله إلا هو العلي الكبير .
وأما الإشارة إلا من اتبعه واقتدى به في ذلك يكون من الموقنين ، فإن أمرًا
سخر له الشمس والقمر والنجوم والسماوات والأرض والجبال ، وأوجد
الموجودات على أنواعها لأمرٍ حق وحكم عزم ؛ إذ العبث لا يجوز في حكمته ،
وأفعال اللعب تستحيل على نعوت تعاليه وأوصاف كبريائه .
وقد وصف ما هو فاعله ووعد بما هو جاعله من تقويض هذا البناء ، وتبديل
الأرض والسماء ، وسريان الشمس والقمر وجميع الكواكب ، وتسيير الجبال ، وأن
شيئا سواه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه لا يملك نفعًا ولا ضرًّا ، وإنما يملكه هو لا
سواه ، وأن الأمر من الدنيا إلى ما هو مستقبل مؤسس على حكم الشيء من صغير
إلى كبير ، كما تقدم الإيجاد من مبدأ الأمر إلى هلم جرَّا ، فعظم الأمر وجلَّ الخطر ،
وتحقق الإيمان بالغيب كالوجود .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما الدنيا في الآخرة إلا كإصبع أدخلته في اليم ، فانظر بما"
تخرج منها"."
ومفهوم قوله: إن الذي يخرج به الإصبع من اليم هو ماء ، وعلى قلته فهو ماء
اليم ، فالدنيا إذًا منتزعة من الآخرة يسير من كثير ، وصغير من كبير ، كالماء الخارج