ساكنة ، إذ ليس لها أصل قد رسي على ما هو موصوف بالسكون فتسكن هي
بسكونه ، ولا عليها صابور يثقفها فتثبت على الماء ساكنة ، وهي لو كانت مسطحة
لكانت الكواكب تطلع على الأرض طلوعًا واحدًا وينبسط عليها الليل والنهار
انبساطًا سواء .
وقد قال - جل من قائل: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) لكنه -
جلَّ ذكره وتعالى جده - لما بسط الأرض ودحاها إنعامًا منه على عباده ومرفقًا
بخليقته خلق الجبال فأرساها على ظهرها ، فاستقرت الأرض بعد ميدها بقدرته ،
وسكنت بعد حركتها بأمره ، ونصب قنن الجبال الراسيات بالوزن شكلًا على وزن
الكرة أول خلقتها ، فكانت المطالع والمغارب على ترتيب مطرد ونظام محكم غير
منخرم ، وأجرى كواكبها مقدارًا من الجري عدلًا وسطًا يكون عنه تكوير الليل على
النهار وتكوير النهار على الليل ، وبمقادير من التقسيم يكون عنه الطول والقصر
فيهما ، وحكم إيلاج أحدهما في الآخر ، فهما أبدًا جاريان بجري محكم لتدبير
تفصيل الأزمنة ومعرفة ساعاتها وأيامها وشهورها وسنينها ، وفي اختلاف فصولها
من ربيعها ومصيفها وشتائها وخريفها وحرورها وزمهريرها بحكم مبرم وأمر
معجب محكم .
وكذلك تسيار كواكبها طالعة وغاربة وجارية وكانسة ، وانتقالها في منازلها
وحلولها في محالها كل بأمره يعمل وبإقداره إياه يسير ويسري ويحل ، وينتقل على
ذلك كله ملائكة بأمره يعملون لا يسبقونه بالقول وهم من خشيته مشفقون ، فقد علم
كل ذي عقل سليم أن حسن هذا النظام وبديع هذا الإحكام واطراد هذا الترتيب
وقوة هذا الضغط وشدة هذا الزم وشمول هذا القهر وإتقان هذا الصنع من سمك
مرفوع ، وبساط مدحو منشور ، وجعل قنن شامخات على وزن محكم ، وإرساء
أصولهن في الأرض ألَّا تميد بصنع متقن لأمر مرصد وأمر متعاقب محكم في
مطالع ومغارب لا تكون إلا عن تدبير مدبر واحد أحد وتقدير حكيم عزيز عليم .
كما قد لقن أولوا الألباب من دلائل هذا الصنع المذكور ارتد واردًا وأثره
باختلاف طوالعه وغواربه من كواكب وبروج ، ومنازل نجوم ، ومواقع نجوم ،
واختلاف أزمان ، وتعاقب ليل ونهار ، وبأن (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)