ومن قرأ مائة آية من كتاب الله إلى ألف آية أصبح وله قنطار من الأجر ، القيراط من
مثل جبل أُحد"ونحو هذا من الترغيب في الذكر وتكثير العمل لما في ذلك من"
الدلالة على ابتهاج القلب ولهج اللسان بحب المذكور وذكره ، فمتى اتصل لهج
اللسان وفرح القلب وابتهاجه بالحب فذلك الإتمام إن شاءَ الله - جلَّ جلالُه - ، وإلا فلهج
اللسان أيضًا أمر مبلغ والحمد لله ، وذلك إذا كان ابتداء الذكر بتجديد نية وعزم على
تحقيق في ذلك ، فإن للنية في أول العمل روح تصحب العمل بركته ، فكيف إن
كانت النية مع الذكر مقرنين معًا ؟.
فمعنى قول الله جل ثناؤه: (آلْآنَ) أي: في حالك هذا لا تحتمل ذكري ، ولا
تفوه باسمي وقد عصيت قبل ؛ أي: إنك أضفت إلى حالك تلك هذه كما يقول
القائل:"كيدًا وأنت في الحديد" (وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) ، فلو كنت
قبل على غير ذلك لاحتمل ذلك منك ، وخرجت كلمتك هذه عن معهود إيمانك
وصحيح ودك ، لكنه قالها على حالها ، وعلى ما كان عليه من رؤية العذاب .
ومن سنة الله جل ذكره في عباده: إنهم متى رأوا العذاب لا يقبل توبتهم إذ قد
ردوا عليه أمره وأعرضوا عن تذكيره إياهم ، وكذبوا رسله إليهم ، فحكمة أن يطبع
على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فيؤمنوا ، فلا ينفعهم إذ ذاك إيمانهم ،
وأكثر الأمم سوى فرعون إنما دعواهم التلاؤم والقول: (يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) ،
ونحو هذا من القول .
ولما قصد فرعون إلى الكلمة وتكلم بها على علاتها منه لم يضيعها له ، ولقد
كادت أن تنفعه لولا ما سبق له الذي ظهر من كفره وفساده وإخراج الشهادات على
ما هي عليه ظهر ذلك بقول جبريل - عليه السَّلام - جاء عنه - والله أعلم - أنه قال:"لو"
رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأملأ به فاه خشية أن تدركه رحمة الله"."