وعلا عليه ليس يفضل بذلك فضل يوم الجمعة ؛ لأنه يوم الخلق السابع على
الحقيقة ، وأول بدء الخلق في معتقدهم هو يوم الأحد لذلك كان عندهم يوم السبت
السابع ، وإنما أول البدء يوم السبت فيه خلق التربة ، وهي جملة الأرضين كما فيه
خلق جملة السماوات دخانًا .
(ثم) فيه (اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ
كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ). وفصل
الأرضين بعضها من بعض في اليوم الثاني يوم الأحد ، وفيه خلق الجبال ونصبها
على الأرض ، فاليوم السابع إذًا هو يوم الجمعة وهو المبارك ، وعن هذه الشبهة التي
شبهت عليهم كان الخلاف والاختلاف .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"هدانا الله له واختلفوا فيه"وسائر ما ذكرناه في هذا
الحديث قريب الموافقة غير مدافع لما هو عندنا ، والله أعلم .
قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا . . . . ) خلق الليل والنهار ،
وجعل أحدهما خلف الآخر ، ليتسابق العباد إليه فيهما بطاعته ، وليتنافس المطيعون
في طلب مرضاته ، وليحكموا العترة منهما إلى ما هما آية عليه في الآخرة كما قال:
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا(62) .
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ) هذا منتظم بما قبله من ذكر
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) يقول: هم يشاهدون
اختلاف الليل والنهار وحلول الآجال ، وعلى ذلك قطع مُدد الآماد ، وتدوار دوائر
الأفلاك عودًا بعد بدء ، فلا تهتدون إلى عبرة بذلك إلى ما في الآخرة ، ولا إلى
وجوب قطع مدة الدنيا ، ووجوب حلول اليوم الآخر إلى معرفة إحيائنا إياهم بعد
الموت كما قد أحييناهم في هذه بعد أن كانوا أمواتًا قبل هذا ، فكما نحن نوقظهم
من النوم وننومهم بعد اليقظة .