(المر) فجعل كل ذكر يسرد مكتوب الكتاب المعبر عنه - وهو أعلم بما ينزل -
بالحروف المفردة المعبرة عن أسمائه .
يقول جلَّ قوله: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) فذكر
-جل ذكره - الاسم الأعظم الذي جميع الأسماء مفسرة له ، وإنه الرافع للسماوات ،
وكما رفعهن فكذلك وضعهن ، ولذلك خلقهن وما بينهن ، ورفعهن على غير عمد
مرئية ، فهي إذًا قدرته ، فهو الله الخالق الرافع الواضع عمد الجملة بقدرته ، فهو القيوم
وهو الحي لا شك ولا ريب ، وهو القادر استوى على العرش يدبر الأمر فهو
المستوي ، وهو المدبر المفصل ، وهو المريد يفصل الآيات ، وسخر الشمس والقمر
والنجوم وما في السماوات وما في الأرض فهو المسخر(وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ). الجاعل كل يجري لأجل
مسمى ، والليل كل يجري لأجل مسمى ، ذلك آية على انقراض يوم الدنيا ووجود
يوم الآخرة هو عاقبه وخالقه .
(عبرة) :
قال الله - جلَّ جلالُه -:(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ
مُبْصِرَةً)وليس عند ربنا ليل ولا نهار ، إنما هو الدهر ضياء ونوره
مبصر كله أبدًا .
وقال وقوله الحق: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) اثنان على ما ذكر فيما هنالك
يوم الدنيا ليل ويوم الآخرة نهار فيه يتجلى الحق المبين ، وإنما يكون موجود ما هو
النهار آية عليه في الجنة في جوار الله - جلَّ جلالُه - وموجود ما هو الليل آية عليه في جهنم
-أعاذنا الله الرحيم برحمته منها - لهم ظلل من النار ، ومن تحتهم ظلل في
الظلمات السفلى - نعوذ بالله منها - آية تجلي الحق المبين في الجنة تجلي الشمس
في الدنيا .
قوله - جلَّ جلالُه -: (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) لما كانت
الجملة التي زمها أم الكتاب محتوية على جميع المعلومات والمذكورات كان
تفصيلها بالفعل والذكر على سنن الحكمة والتذكير لنا بذلك من أعظم المنن علينا؛
لذلك قال عز من قائل: (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) كل