حيوان وأنعام على اختلاف أنواع ذلك وتباين أجناسه ، كذلك الله جل ذكره الواحد
الأحد أوجد كل شيء ، ثم ضرب جل ذكره مثلًا للعلة التي لأجلها وجد الباطل في
مفعول الحق المبين بقوله جلَّ قوله: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) .
يقول جل قوله: أنزل هذا الماء الواحد الطاهر الطيب على الأرض جبالها
وآكامها وشرابها وروائها فسالت مثاعبه على ما أتت عليه ، فمثل الأرض مثل بني
آدم المخلوق منها ، ومثل الماء مثل الوحي من أمر السماء ، ومثل مثاعب الماء
السائلة على وجهها الوحي والقرآن ، وما دار حوله مثال ألسنة الرواة له والناقلين
إلى القلوب ، ومثال الأودية مثال القلوب في القرون المتداولة اجتمعت المياه في
الأودية كاجتماع القرآن والوحي في القلوب من الأمم المتداولة أدت إليها ألسنة
الرواة كما أدت مثاعب الماء إلى الأودية .
ومثال فتنة المفتونين وعمى الجاهلين وزيغ الزائغين عنه مثل ما سلك عليه
الماء في أهوية الأجواء ، وألقحته الرياح في ممتزج الفيح والفتح من الأرض
والسماء ، فسالت الأودية بقدرها على قدر سعتها وكثرة طرق المياه إليها وسعتها في
أنفسها كالقلوب ، وعلى قدر جمعها ووعيها وفهمها لما وعته لكون سعتها .
ومثال الزبد المجتمع على المياه في الأودية الكائن عن امتزاج الماء بالأرض
والهواء وعما في وجود ذلك من فيح نفَسي جهنم - أعاذنا الله الرحيم منها - مثال
الموجود عن الأهواء والبدع وخطأ التأويل وآفات النقلة الرواة ،
ثم قال جلَّ قوله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ)
الذهب والفضة ومتاع الحديد والنحاس وفلز المعادن كلها زبد مثله مثل الذهب
والفضة في متاع الدنيا كمثل علم القرآن والوحي ، ومثل فلز المعادن كلها مثل
غيرها من العلوم ينتفع بها كما ينتفع بسائر العلوم ، وكلها زبد لكونها عن الأرض
كما العلوم الوحي وغيرها من العلوم خطأ وضلال عن القصد لمجاورتها الأهواء
وآفات النفوس وما ملكت عليه .
وأما المعرفة من أين حدث الباطل في الأعمال ، والشرك فيما يقابل التوحيد ،
وتكذيب الرسل فيما يقابل الإسلام ، والتصديق بعد نزول ذلك من السماء ،
وفطرة الله المخلوقات على أحدية الدين القيم ، وأخذ الميثاق والعهد على الإقرار