والحراسة والتربية والحفاية كلها ، ومعاني الخلقة والإحسان والإجمال في الأمر كله
والوجود أجمعه .
ومن أعحب العجب: الكفر بما هو منه هذا ، وما هو أعم وأكبر من إيجاد
أنفسهم وأنفاسهم وأغذيتهم والقيام عليهم بشأنهم كله وبما هو المستوي على
العرش سوى الجملة حياة وعلما ومعرفة وخشية له وخوفًا ، وفي إقامته آية ذلك
خلقه آدم من صلصال كالفخار سواه بذلك خلقة وعلمًا ، ثم نفخ فيه من روحه سواه
بذلك حياة وصفات وأسماء ، وكان بذلك لا يعزب عنه عن آدم من جملته ونفسه
قربًا وعلمًا وحسًّا ووجودًا ، فكذلك الجملة كاستواء الرحمن على العرش ، وله
المثل الأعلى في السماوات والأرض .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ(21) .
(وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(4) . فكيف لا
يعظم التعجب من كفر من كفره .
أتبع ذلك قوله الحق: (قُلْ هُوَ رَبِّي) أي: قل يا محمد أو يا أيها التالي: هو ربي
(لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ) فإذا تاب هذا العبد إلى ربه
الرحمن عز جلاله استخصه فاجتباه واستخلصه وانتخبه وتولاه ، فوصل له مقتضى
اسمه الرحيم بمقتضى اسمه الرحمن في الدنيا والآخرة .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (يَا مُوسَى(40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي). فإذا كان ذلك
كذلك قال الله جل ذكره للنفس المطمئنة: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27) ارْجِعِي إِلَى
رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) . وفي أخرى:"في عبدي"يعني وهو أعلم
بما ينزل: في مثاله الذي له (وَادْخُلِي جَنَّتِي(30) .
قال الله - عز وجل -: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ
أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) . ثم نلحقهم في هذه الحياة
الدنيا وفي الآخرة بدرجة النسبة إليه عز جلاله وتعالى علاؤه وشأنه ، فتارة يقول:
(يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) أي: في الدنيا
(وَادْخُلِي جَنَّتِي(30) . أي: في الآخرة وبعد الموت ، فمرة نسبهم إليه
عز جلاله بقوله: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ . . . )