عنهم ، وقد أصابهم به الموت لكل وجهه لو منَّ به عليهم ، ويأتيهم الموت من كل
مكان من أجسامهم ، وكلما جاورهم من تلك الدار ، وما هم بميتين تهب عليهم
الريح الصرصر .
والعاصف من الريح: العقيم التي تعقمت عن الرحمة ، فتمزق لحومهم
وجلودهم وتشقق أجسامهم ، ويجد العذاب فيه مجالًا لعظمها فتربوا على ذلك ،
وتنقطع الأعضاء منهم ، وتسيل قيحًا ودمًا .
ذكر أن للدود في أجسامهم دويًا كدوي الوحوش نافرة في غاباتها ، وتجري من
صديدهم وقيحهم ومن دموعهم الأنهار ، فمن ذلك شرابهم في هذه المدة على مدة
دائرة بالزمهرير لباسهم فيها الحديد ، لا يكنهم من جليدها ولا رياحها ، ولا يحجزهم
من عذابها بيت ولا جبل ولا كن .
وقد عدد الله - جلَّ ذكره - نعمه علينا بالكن والسكن إلى البيوت ، بقوله جل
قوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا)
إلى قوله جلَّ قوله:(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ
أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ)
وليس لأهل جهنم - أعاذنا الله الرحيم برحمته منها - مِن عذاب الله من واقٍ ، لا
يرحمهم راحم ، ولا ينفعهم شفاعة الشافعين ، يلعنهم كل شيء ، ويلعن بعضهم
بعضًا ، ويلعنون أنفسهم .
يقول الله جلَّ مَن قائل: (وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) يعني: عذاب
السعير يدور عليهم دائرته ، فيكون [...] معنى قوله: (وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ)
أي: عذاب الدار الآخرة قال هذا الوصف هنا كما قال في قصة قوم لوط وثمود:
(وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) أي: من عذاب الإهلاك وما في
ذلك من سعير .
ثُمَّ قال: (وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ(58) . أشد العذاب عذاب