أسلك ذلك كله في عالمه مسالكه ، حتى عاد العالم كله لمن اعتبر إلى رفيع الذكر
إلى قسمين: ذكر يذكر بهذا كله ، ومما لم يذكره وفتنة ، فهذه هي الشجرة المباركة
الطيبة التي رسا أصلها بالفطرة ، وظهرت أفنانها بالشرعة ، وثبتت حقائقها في جدر
القلوب بالإيمان ، وعلت أعاليها في السماء بالعمل بالطاعة بالحق ، فاتصلت بالحق
المبين - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ، لذلك قال جلَّ قوله ، وهو أعلم:(وَيَضْرِبُ اللَّهُ
الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)ولو كان التذكر المطلوب منا هو
تشبيه الكلمة الطيبة بالنخلة ، أو بغيرها من الشجر لم يكن ذلك تذكارًا ولا اعتبارًا ،
بل كان يكون علمًا .
(فصل)
قال الله جلَّ قوله: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(24)
ولم يقل: أصلها ثابت في الأرض ، إذ كان منبعثها من لدنه - جلَّ جلالُه -
أسماؤه وصفاته ، ثم إلى ما تفصلت إليه من الآية وآثاره ومقدوراته ، فكان ذلك
كقوله جلَّ قوله في الجرة المباركة الزيتونة: ( لَّا شَزقِيَّةٍ وَلَا غَزبِيَّةٍ@1 النور: هـ 13
إنها ليست ثابتة في أرض ، ولا هي منسوبة إلى شرق ولا إلى غرب ، ولا إلى جنوب
ولا إلى شمال ، فافهم ، وسيأتي ذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى ، فالشجرة
الطيبة إذًا هي شجرة الحق المتفرعة إلى ما تفرعت إليه ، ومثلها من الأحياء المؤمن
المعبّر عنه بقوله الحق: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"خلق الله آدم على صورة الرحمن"و"مثل المؤمن من"
الشجر النخلة"على ما تقدم هذا في الدنيا ، ثم جميع شجر الجنة في الدار الآخرة"
(تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) على الولاء ، فافهم المثل
المضروب بالكلمة [...] الحق المخلوق به السماوات والأرض وما بينهما ،
وموضع التذكرة والمطلوب الأعلى ، ذلك هو الحق المبين ، أي: المبين لهذا الحق ،