فهرس الكتاب

الصفحة 1466 من 2809

العقل ، وفي الثالثة الذكر ؛ ذلك لأن الفكرة يبعثها الذكر فيثير مكنون العلم ، وكلما

أجلت الفكرة الذكر من العلم مجملًا من الغيوب أطلعته على شرف من الفهم ، فلا

يزال تقدمه به ويترقى هو بها في الأسباب حتى يصل ، وقد قالوا بالتأني في تسهيل

المطالب ، وبالفكر الثاقب يدرك الرأي العازب .

وأما العقل فإذا كان الإيمان دليله والوحي أميره ، ولقن الخطاب عنه وفهم

الإشارة منه ، وتوسم بالإشارة ووقف دون الأشباه ، فخضع لمالكه ونضال لواهبه ،

وصابر النفس وداوم قرع الباب ، ولج بمعقوله في بحار الأفكار بتصحيح شواهد

الأسرار ، وعند ذلك فاعلم يصل القلب إلى نسيم الهواء الواصل إلى الروح في

ملكوت الضياء حيث القدرة الخفية عن الأبصار الظاهرة ، فيقبل القلب الهواء

الواصل إليه ، ثُمَّ يتلاحق بمضمرات الغيوب فيحصل قربًا بالمطلوب الأعلى .

يقول الله جل من قائل:( وَسَخرَ لَكم مَّا ير السَّمَاوَاتِ وَمَا ير الأرض جَمِيعًا

نِّه إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَات لِّقَؤبم يسفكرونَ )الجالْية: 113 .

وقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا

لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) .

وأما الذكر فإنه إذا وقف العقل على المختلفات من الموجودات من الألوان

والصور ، وعلى المؤتلفات منها ذكر الآخر بهذا الأول والنهاية بهذه البداية ، وذكر

في ذلك تصريف المشيئة العالية ، وقهر القدرة الغالبة ، وسعة العلم المحيط ، وتحقق

الصدق بالوعد الصادق ، ووقف بلُبِّه على صحة وجود الشيء من أول الأمر إلى

غايته ، فعند ذلك يتمثل له الآخرة عيانًا ، وتمثل حقيقة التوحيد في باطنه مشاهدة ،

وقد يُكتَفى من حظ البلاغة بالإيجاز .

واعلم أن الأفكار جائلة في سعة تحسر عن إدراكها وتحجز عن الإحاطة بها ؛ إذ

قد لطفت تلك المعارف عن إحساس الأوهام ، فمن الواجب أن تكون العقول

متناهية إليها ، متعلقة بأسبابها ، معترفة بالتقصير عنها ، ولتكن شاهدة لحقائقها ، ممتنعة

عن العلم بها إلى أن تصفو الأكدار ، وتظهر الأخلاق من الأدناس فترتع في رياض

الألباب ، ويفتح اللَّه جل ذكره لها صواب المصيب ، فعند الصفو ومفارقة الكدر

تعيش الروح وتعاين حقائق الغيوب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت