العقل ، وفي الثالثة الذكر ؛ ذلك لأن الفكرة يبعثها الذكر فيثير مكنون العلم ، وكلما
أجلت الفكرة الذكر من العلم مجملًا من الغيوب أطلعته على شرف من الفهم ، فلا
يزال تقدمه به ويترقى هو بها في الأسباب حتى يصل ، وقد قالوا بالتأني في تسهيل
المطالب ، وبالفكر الثاقب يدرك الرأي العازب .
وأما العقل فإذا كان الإيمان دليله والوحي أميره ، ولقن الخطاب عنه وفهم
الإشارة منه ، وتوسم بالإشارة ووقف دون الأشباه ، فخضع لمالكه ونضال لواهبه ،
وصابر النفس وداوم قرع الباب ، ولج بمعقوله في بحار الأفكار بتصحيح شواهد
الأسرار ، وعند ذلك فاعلم يصل القلب إلى نسيم الهواء الواصل إلى الروح في
ملكوت الضياء حيث القدرة الخفية عن الأبصار الظاهرة ، فيقبل القلب الهواء
الواصل إليه ، ثُمَّ يتلاحق بمضمرات الغيوب فيحصل قربًا بالمطلوب الأعلى .
يقول الله جل من قائل:( وَسَخرَ لَكم مَّا ير السَّمَاوَاتِ وَمَا ير الأرض جَمِيعًا
نِّه إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَات لِّقَؤبم يسفكرونَ )الجالْية: 113 .
وقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا
لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) .
وأما الذكر فإنه إذا وقف العقل على المختلفات من الموجودات من الألوان
والصور ، وعلى المؤتلفات منها ذكر الآخر بهذا الأول والنهاية بهذه البداية ، وذكر
في ذلك تصريف المشيئة العالية ، وقهر القدرة الغالبة ، وسعة العلم المحيط ، وتحقق
الصدق بالوعد الصادق ، ووقف بلُبِّه على صحة وجود الشيء من أول الأمر إلى
غايته ، فعند ذلك يتمثل له الآخرة عيانًا ، وتمثل حقيقة التوحيد في باطنه مشاهدة ،
وقد يُكتَفى من حظ البلاغة بالإيجاز .
واعلم أن الأفكار جائلة في سعة تحسر عن إدراكها وتحجز عن الإحاطة بها ؛ إذ
قد لطفت تلك المعارف عن إحساس الأوهام ، فمن الواجب أن تكون العقول
متناهية إليها ، متعلقة بأسبابها ، معترفة بالتقصير عنها ، ولتكن شاهدة لحقائقها ، ممتنعة
عن العلم بها إلى أن تصفو الأكدار ، وتظهر الأخلاق من الأدناس فترتع في رياض
الألباب ، ويفتح اللَّه جل ذكره لها صواب المصيب ، فعند الصفو ومفارقة الكدر
تعيش الروح وتعاين حقائق الغيوب .