إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) ومعنى البلاغ هنا: التذكير والتنبيه على هدايتهم:
والتبيين لحال ضلالتهم .
وقال في سورة الأنعام: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ...(148)
أي: كذلك قال الذين من قبلهم ثم كذبوا بأفعالهم ، واستمرار
عقودهم على كفرهم وشركهم .
يقول - عز وجل -: (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) هل
استدللتم على حقيقة ما قلتموه بكتاب من عند الله ، أو نظرتم منه نظرًا تقفون به على
أنه الحق من عند الله كما قال: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(64)
إنما قولكم ظاهر من القول لا أصل له في قلوبكم ثابتًا ولا برهان قائمًا(إِنْ تَتَّبِعُونَ
إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ).
كذلك قال في غير هذا الموضع: (لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) فكان
الجواب منه جل ذكره على ذلك: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(20)
ففي هذا من الفقه إن شاء الله إن كلمة الإيمان مقرونة بوجود العلم
والإخلاص لله - عز وجل - والعلم بالسنة أو نية واستسلام واتباع واقتداء ، وهو المسمى
إسلامًا .
قال الله - عز وجل -: (قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)
والعلم لا يكون إلا بالبرهان وصحة الدليل ، وإلا فحكمه أن يكون ظاهرًا من القول
لم يثبت له في القلب أصل ، ولم يرتفع له فرع إلى السماء ، بل هي كلمة مجتثة عن
تحقيق من فوق القلب لا قرار لها من أصلها ، ولا سمو لهم عنها ، فهي على ذلك لا
سمو لها ولا مطلع ، وهذا لا تؤتي أكلًا ولا في حين من الأحايين ، كذلك كل كلمة
حق لم يتبعها علم يقترن بشاهد من الكتاب والسنة أو برهان صحيح ، فهو رد .
ألا تسمعه جل ذكره كيف رد على قوم أنكروا الرجعة بعد الموت فقالوا:( مَا
هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)والدهر: اسم من أسماء الله
جل ذكره ؛ ولما كان وفاقهم للحق في أثناء إنكارهم الحق أجاب بقوله جلَّ قَولُهُ:
(وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ(24) . لم يحمد إصابتهم""
لاستصحابهم الجهل في أقوالهم وأفعالهم ؛ أما في أقوالهم فذكرهم هذه ، وإنما عنوا