فهرس الكتاب

الصفحة 1478 من 2809

تزال الشمس تطلع وهي في ذلك تسير في قوس دائرتها فيقصر لذلك الظل ، فهو

قبضه إياه إليه ، ولكونها سائرة في دائرتها يعم الظل ذات الشمال منه ، فيكون ذلك

سجودًا منها لموجدها .

وتوجيه التأويل قوله:"إنه يقبضها إليه"أعني: الظلال ، فذلك إما لأنه يعدمها

كما يقال في الميت:"إنه ذهب إلى الله"أو لأنه بخلقه الضياء والله هو نور ، والنور

منسوب إليه ، والنور من أسمائه ليس كذلك الظلام ، فقوله: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ

وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) . هو في الظاهر حال تفيؤها أمام

ضياء الشمس ، وهي من آياته في السماء والأرض ، فهي بذلك ساجدة داخرة

صاعدة لها ، إذ ليس يفعل ذلك بها سواه .

وإنما سجودها - أعني: ذات الظلال - لسجود ضياء الشمس ، وسجود الضياء

لسجود نفس الشمس التي هي ضيائها سبحانه وله الحمد ، فالضياء لا يزال يطردها

بأمر الله مضطرة عن أماكنها داخرة ما دامت الشمس طالعة من مشرقها إلى حد

استوائها ، فيكمل إذ ذاك قيام الشمس وسجود الظلال ، وذلك نهاية سجودها .

ثم يأخذ سجود الشمس في الإعلان به حال نزولها عن موضع استوائها ،

فيأخذ الظلال في القيام لله ظهور لسجود الشمس له إلى حال سقوطها في مغربها ،

وذلك نهاية ما يبدو للناظرين من سجودها وقام الظلال ، فلا تزال الشمس ساجدة

لربها حال طلوعها من الغد والظل قائم لربه جل ذكره ، كذلك الليل يطلع ، فما دام

كذلك فهو قائم لبارئه ، فإذا سقط الشفق خرَّ ساجدًا ، فلا يزال ساجدًا بوجه وقائمًا

بوجه إلى أن تطلع الشمس ، وقد قُبض إلى ربه .

وجعل الله الشمس آية على خليفه الليل الذي هو الظل بين طلوع القمر وبزوغ

الشمس دليلًا ، فالظلال ساجدة ما كانت زائدة على قامات أشخاص ما هي ظلال

لها ، فهي إذًا ساجدة بكرة وعشيًّا ، وساجدة حال تفيؤها في حال تنقصها عن قامات

أشخاصها ، ويتناهى سجودها وسجود الشمس وسجود الليل ، وبيَّن التناهي في ذلك

هو حال ركوعها .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ

بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15) . وقد تقدم ذكر حال تفيؤها ، وإنه منها رجوع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت