يهْدي السَّبِيلَ ) والرجاء خُلق من أخلاق الإيمان ووصف من أوصاف
الموقنين ، وهو جند من جنود الله جل ذكره ، يستخرج الله به من بعض عباده ما لا
يستخرج بغيره ، وطرفه الأعلى منه متصل بالحب كما طرفه الأدنى متصل بالخوف ؛
لأنه من رجا شيئًا أحبه ، وكما يرجو دركه يخاف [فوته] ، ولهذه المقاربة ظن أكثر
الناس أنه الخوف ، وعبر باسم الرجاء عن معنى الخوف فقال في قوله:(مَنْ كَانَ
يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ)من كان يخاف لقاء الله .
يقول جل ذكره:"إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه ، وإذا كره عبدي لقائي"
كرهت لقاءه"ومن كره الله لقائه لم يلقه اللقاء المرجو منه ، بل يكون العرض"
والتوقيف ونحو هذا فإنه لا ينكره مكره له - نعوذ بالله من كراهة لقاء الله - وإنما
كره أكثر أهل الإيمان لقاء الله ؛ لكون الموت في طريق ذلك ، والموت مكره بما هو
كما الحياة محبوبة بما هي ، وحبذا بالموت إذا كان سببًا للقاء الله ، ومن رجا شيئًا
عمل له ، والعمل للقاء الله هو ابتغاء مرضاته ، ومجانبة جميع مناهيه ومكارهه طمعًا
في البشارة باللقاء والإكرام والبشر منه والضحك لعبده جل جلاله وتعالى علاؤه
وشأنه ، وهربًا من الحجب والتوقيف والبعد .
ولأهل الرجاء حال من مقامهم ، ولأحوالهم علامات من درجاتهم ، فمن يحمل
أحكام الرجاء ويحقق في أوصاف الراجين جميعًا استحق أوصاف الرجاء ، وهو
عند الله - جلَّ جلالُه - من المقربين إن شاء الله ، فمن الواجب على المؤمن أن يتحبب إلى الله
بحب الموت والتشوق إلى اللقاء ، ويعمل على ذلك ويستعد له ويتدرس ذلك جدًّا ،
فإنه من أشد الشدائد على العبد أن يخرج من الدنيا وهو يحبها ، ويدخل الآخرة وهو
يكرهها ، ويلقى الله وهو غير محب له ولا مستعد لذلك فيخلف ما جمعه لمن لا
يحمده ، ويقدم على رب لا يعذره ، والله جل ذكره يقول: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ
تُحْشَرُونَ (158) . وهو يقول جل من قائل:"أنا عند ظن عبدي"