إرساله إلى القرية بعد محنته في السجن في بطن الحوت .
قال الله - عزَّ من قائل: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ(145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ
يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) . والظاهر الأخذ
بالخطاب على مساقه في تقديمه ما قدم وتأخير ما أخَّر .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قول الله - جل ثناؤه:(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ
شَعَائِرِ اللَّهِ):"يبدأ بما بدأ الله به"بدأ بالصفا ، ووافق ذلك اليوم
قوله:"خذوا عني مناسككم"وربما كان الذي أتاه مما لام عليه نفسه بعض
التأويلات كذنب رسول الله - عليه السَّلام - نوح في شفاعته في ابنه ، وكذلك ذنوب أمثاله
كإبراهيم وموسى وغيرهم - صلوات الله وسلامه على جميعهم .
وقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم - أنه قال فيه:"إنه كان يرتفع له"
إلى الله كل يوم من عمله مثل عمل أهل الأرض"وما يدريك لعل معنى قوله - عز وجل -"
فيه: ( وَهُوَ مُلِيمٌ ) أنه أتى بما يلام عليه من حمله على نفسه ؛
لإلقائه نفسه على أصعب الأمر وأشده في مساهمته على من هو الذي يجعل في
الحر أو نحو هذا والله أعلم بخصوص عباده وأرأف .
قوله تعالى:(فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ)هذا من المقدور الغائب كيف يكون منه النداء المعهود
وهو في بطن الحوت وغمرات المياه ، وهي ظلمات كثيرة ، وإنما نبهنا على هذا ؛
لئلا يعتمد معتمد في وجود الكلام والتسبيح والتحميد وغيره على الصوت
الموجود عن هواء خارج ، بل الكلام على هذه الشروط أحد أنواع الكلام والنداء
والإسماع والإفهام ، فافهم .