إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ (119) . ونظيرتها في سورة (الم) السجدة قوله:(وَلَوْ
تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ)إلى قوله: (وَلَوْ شِئْنَا
لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ (13) . فعمَّ بالذكر الْجِنَّة وَالنَّاس .
وأمَّا القائلون بأن الورود هنا هو بمعنى الممر والجواز فلهم حجة التخصيص ،
قال الله عزَّ من قائل لإبليس - لعنه الله لما قال له: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ
تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) . فهذا نص على إبليس ومن تبعه من ذريته ومن
الناس وقال في موضع آخر: (اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً
مَوْفُورًا (63) . هذا إلى أن ضمير العموم راجع إلى القسم المغضوب عليهم. قوله: (وَلَا
يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) . أي: في التوحيد والنبوة ، فمهم من كذب بها ، ومنهم
من صدق بعضًا وكذب بعض (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ] )
أي: للمرحمة والتوحيد والتصديق .
ثم أخذ في الإخبار عن المختلفين بقوله: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ
الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) . يريد - وهو أعلم - كلمته لإبليس:"اذهب ،"
فمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ، (اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ
تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) . ، فهذا نص على ملئها منهم ، نعوذ بالله
من سوء ما سبقت به المقادير .
هذا إلى قوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا(71)
إنما جاء بعد قوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا(68)
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ
أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70)
ثم قال: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ