فهرس الكتاب

الصفحة 1780 من 2809

(فصل)

من حكمته - جلَّ جلالُه - هو الحق الواحد الأحد ، فما أوجده من مقتضى ذلك فهو

واحد لا مغاير له سوى ما هو به ومنه ، فأوجد الأضداد لحكمة لطيفة ورحمة

بعباده في تدبيره الحق ، فلو كان النهار واحدًا أبدًا والهدى كذلك والخير والغنى

والمحبوب كله لكان ذلك آية واحدة ، فكان على ذلك في الأغلب هدم الذكر

ونسيان التذكار ، ولما كان النهار عقيب الليل كان أبين للفهم وأقرب للتذكرة ،

وكذلك النور عقيب الظلام ، والخير عقيب الشر ، والصحة عقيب السقم ، والغنى

عقيب الفقر ، والمحبوب كله عقيب المكروه كله ، قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ

اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) .

وكثير ما صرف هذا من تعاقب الأضداد وتناوب الأغيار للتذكرة وتجديد

الذكر والثبات على المعرفة ، ألا ترى أن الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - هو

القريب الحق لا أقرب منه ، والشهيد الحق الذي هو أقرب إلى العبيد من حبل

الوريد ، بل هو أقرب إلى المخلوق من نفسه وأحق به من ذاته ، ولما كان هذا القرب

دون أفول في حقه ولا عدم من جهته أوجب ذلك البلدة وقلة التذكرة ، وأعقب ذلك

الجهل به والنسيان له ، فكان من لطفه في حسن تدبيره أن أوجد الأضداد في

الوجود بتعاقب ، وقدر بالأغيار في ذواتها بتناوب ، وجعل ذلك على مقادير

مقدرة وأوزان من الحكمة مقسمة ؛ ليجدد لعباده بذلك التذكار ، ويبعثهم على تعرف

العلم به والاعتبار ، وإن الله (سميع) لدعاء الذين بُغي عليهم بغير حق ، إلا أن

يقولوا: ربنا الله (بصير ) بأعمال الباغين ثم العاملين بطاعته هذا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت