(فصل)
من حكمته - جلَّ جلالُه - هو الحق الواحد الأحد ، فما أوجده من مقتضى ذلك فهو
واحد لا مغاير له سوى ما هو به ومنه ، فأوجد الأضداد لحكمة لطيفة ورحمة
بعباده في تدبيره الحق ، فلو كان النهار واحدًا أبدًا والهدى كذلك والخير والغنى
والمحبوب كله لكان ذلك آية واحدة ، فكان على ذلك في الأغلب هدم الذكر
ونسيان التذكار ، ولما كان النهار عقيب الليل كان أبين للفهم وأقرب للتذكرة ،
وكذلك النور عقيب الظلام ، والخير عقيب الشر ، والصحة عقيب السقم ، والغنى
عقيب الفقر ، والمحبوب كله عقيب المكروه كله ، قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) .
وكثير ما صرف هذا من تعاقب الأضداد وتناوب الأغيار للتذكرة وتجديد
الذكر والثبات على المعرفة ، ألا ترى أن الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - هو
القريب الحق لا أقرب منه ، والشهيد الحق الذي هو أقرب إلى العبيد من حبل
الوريد ، بل هو أقرب إلى المخلوق من نفسه وأحق به من ذاته ، ولما كان هذا القرب
دون أفول في حقه ولا عدم من جهته أوجب ذلك البلدة وقلة التذكرة ، وأعقب ذلك
الجهل به والنسيان له ، فكان من لطفه في حسن تدبيره أن أوجد الأضداد في
الوجود بتعاقب ، وقدر بالأغيار في ذواتها بتناوب ، وجعل ذلك على مقادير
مقدرة وأوزان من الحكمة مقسمة ؛ ليجدد لعباده بذلك التذكار ، ويبعثهم على تعرف
العلم به والاعتبار ، وإن الله (سميع) لدعاء الذين بُغي عليهم بغير حق ، إلا أن
يقولوا: ربنا الله (بصير ) بأعمال الباغين ثم العاملين بطاعته هذا على