صرف وجه الخطاب إلى معنى ذكر شركهم وكفرهم وما عبر عنه بقوله:(وَلَوِ اتَّبَعَ
الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)المعنى: فاستاقهم
بالحجة إلى ما يقرون به ضرورة ولا يقدرون على إنكاره ، حكى ذلك عنهم بقوله:
سيقولون الله ضرورة يجدونها من أنفسهم لو يرجعون ، فأمر عند ذلك رسوله إن
لم يفوهوا بها بأن يقول لهم: أفلا تذكرون أن من له الأرض ومن فيها ملك له عباد
له مدبرون بتدبيره ، ليس لها مالك سواه ولا خالق غيره ، أوجدهم عن عدم ،
أفيحجزه جمع ما فيها إذا شاء ذلك ، أفلا تذكرتم بالنشأة الأولى النشأة الآخرة
فقضيتم بصحتها أولًا على صحة وجودها آخرًا .
وعلى القول بالتحقيق فإنها نشأة أخرى ، هذه الأولى آية عليها لكن ليست
كهذه ، بل تلك أشرف وأكبر وأفخم وأبقى وأكبر ، وعلى سنن النشأ المعهود في
العالم وآية النشأة الآخرة نشأت موجودات الأولى ، وهي نشآت كثيرة ؛ لأنها
جارية على سنة وتراخٍ في التكوين ، والنطفة منشأة: عن الماء والتراب ، والعلقة منشأة:
عن النطفة ، والمضغة منشأة: عن العلقة واللحم ، واللحم والعظام منشأة: عن
المضغة، وكونه منشأ عن ذلك خلقا آخر نشأ رفع القدر .
لذلك تبارك - جل ذكره - عند ذكرها وهي خلق الروح والحركة وظهور
الصفات مع ذلك بداء ، ثم كونه وليدًا منشأ عن كونه جنينًا ، ثم كونه مميزًا متكلمًا
يفهم ما يخاطب به منشأ من كونه وليدًا ، ثم كذلك نشأت إلى بلوغ الأشد الأقصى ،
ثم كونه مؤمنًا نشأ من كونه كافرًا ، ثم كونه عالمًا نشأ عن كونه مؤمنا فقط ، ثم كونه