وقال ذلك وفعله لحكمته البالغة وحجته القاهرة ؛ ذلك لأنه الملك الحق الحكيم
العليم ، قدرهم يوم كانوا في علمه وقدرته ومشيئته على مقداراتهم ، لو أدخلهم النار
وعذبوا فيها ألف عام أو أكثر فاستغاثوا واستعتبوا وضمنوا من أنفسهم التوبة وحسن
الاستجابة فأخرجهم منها لعادوا لما نهوا عنه ، وليبين بذلك كذبهم في دعواهم ،
ووهنهم في غرضهم ، وعجزهم عن مرادهم ، ذلك وكما خلق السماوات والأرض
وما بينهما بالحق ، ومن الحق صدق كلماته ومضاء مشيئته وإحاطة قدرته وعلمه .
كذلك ما تقدم ذكره من إمضاء مشيئته في إضلالهم وتصييره إياهم إلى العذاب ،
هو من ذلك الحق المخلوق به السماوات والأرض ، وكما شهدت له الموجودات
بالوحدانية والألوهية وسائر الأسماء الحسنى والصفات العلا ، كذلك قدر هذا وأوجبه
وأظهر كونه ؛ ليشهد له بالقدرة القاهرة والمشيئة الماضية وعزم الأمر العلي ، وكما
سجد له كل شيء ، وقت له كل شيء ، وخضع له كل شيء ، كذلك يسجد له الكفار
بكفرهم وقنتوا له وخضعوا له بذواتهم رضيًا منهم بعطائه وتسليمًا لقضائه وهم لا
يشعرون ، بل يقاتلون عليه ويقتلون صبرًا لأجله وهم لا يعلمون .
يقول الله - جل من قائل - متى أظهر قهره لهم وقدرته عليهم فيما هذا سبيله:
(فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا
يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) . إنما يعجب رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلماء عباده من عظيم
قهره وشأنه الذوات بسلطانه (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) .
(أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ) فيهديهم ، ولا ولي ينصرهم
(وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26) . سبحانه وله الحمد ، فافهم ، فهمنا الله
وإياك عنه .
قوله تعالى: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ