وكذلك الماء قد عم بتصرفات ساكني الماء ، وسقف السماء قد عم وجود ما تحت
أديمها على اختلاف تصاريف الوجود كله ، والعرش العلي قد عم متصرفات ما
شمله الكون تحت العرش ، فكذلك الأمر العلي قد عم متصرفات ما شمله الكون ،
وكذلك العلم المحيط ومشيئته العالية وقدره الأعلى قد زم جميع المعلومات
والمرادات والمقدرات ، وكذلك العلم الأعظم واللوح قد وسع كتب الكائنات على
وجودها وزم فيه جميع المقدرات ، كتب ما شاء كتبه ، وتأخير ما شاء تأخيره ،
وتعجيل ما شاء تعجيله ، وتكوين ما شاء تكوينه ، وترك ما شاء تركه ، بأسباب ذلك
وأواسطه وعوارضه وموانعه وموجباته ، له الخلق وله الأمر تبارك الله رب العالمين .
و"إن"في قوله جل ذكره: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) لكفاية لجمع
ما تفرق على الفهم جمعه ، وزم ما عسر على الوهم زمه ؛ يعني: أن يسيرًا عليه أن
يقص من عمر معمر ما فيكون ذلك نقصًا من أجل أجله ، ويزيد في عمر معمر ما
فيكون زيادة على أجل قد أجله ، وكل ذلك قد تقدم فيه تقديرًا وعملا وعلمًا وزمًا ؛
لأنه قد أحاط علمًا بما هو كائن كيف هو كائن ، وما ليس بكائن كيف كان يكون ، لو
كان علمه بذلك كله سواء ، لأنه علم واحد أحاط بجميع المعلومات (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(4) .
(وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) .
قوله - عز وجل -: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ