ولدًا ، بل يكون عبدًا مصطفى مكرمًا الولادة مباينة للعبودية جملة .
قال الله - جل ذكره - في عِيسَى - عليه السلام -: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ
مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60)
فأخبر بصدق قيله - جلَّ جلالُه - أنه لو شاء لجعل ما ملائكة كما ألحق
عبده ورسوله عِيسَى - عليه السلام - من درجة الاصطفاء إلى أن أحله فيه محلًا يحيي فيه
الموتى بإذنه ، ويخلق من الطير خلقًا وينفخ فيه فيُحيي ذلك المنفوخ فيه بإذن الله ،
ويبرئ الأكمه والأبرص .
وكذلك أحل الأنبياء والرسل محلا يخرق لهم فيه مجاري العوائد ، ويظهر
بقدرته على أيديهم المقدور الغائب كالملائكة - عليهم السلام - إذ من الملائكة
من يُميت بإذن الله ، ومنهم من ينفخ الروح في نطف الأرحام فتكون عن ذلك الحياة
بإذن الله ، ومنهم من يخلق وينشئ وينمي حتى أنه ما من نماء ولا اضمحلال ولا
حياة ولا موت ولا تقديم ولا تأخير ولا رفع ولا خفض إلا ولله - جل ذكره -
ملائكة موكلون بذلك كل في مصافه (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ(27) .
وتحقيق العلم بهذا ومشاهدته باليقين هو مشاهدة الملكوت ، قال الله - جلَّ جلالُه - يخبر
عن الملائكة: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ(165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166)
وهو القائم على كل نفس بما كسبت أبدًا وأمدًا ، ما تناهى تأخر أو تقدم كل
بأمره وقدره ومشيئته وإقداره وعونه يعملون .
(فصل)
كان معهود الولد على وجهين: فولد منسوب إلى أبويه بنوة وولادة ورحمًا ،
فهذا ليس له في الوجود وجود ، ولا في الإمكان تمكن ، ولا له في العقل مساغ
بوجه من الوجوه ، وولد بمعنى التبني والاتخاذ ، وقد كانت العرب وغيرها من الأمم
يتبنون ويتخذون ، كما قالت امرأة فرعون يوم التقطت موسى - عليه السلام -:(قُرَّتُ عَيْنٍ لِي
وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا).
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تبنى زيد بن حارثة - رحمه الله - وأسامة ابنه ، فكانوا