يقرأ ولا يكتب ، وعلى ذلك فإنه أتى بما يُقرأ ويُكتب ، وقد يكون الأمي الذي يقرأ
ويكتب ولا يعلم ما يقرأه ولا [يفقهه] إنما هو يقلد غيره وإمامه ، ويأتم في معقوله
ومعلومه بأسلافه ، ويعتمد عليهم في ذلك .
سمى الله - عز وجل - من كان في قراءته وكتابه هكذا: أمّيًّا ، فقال عز قوله:(وَمِنْهُمْ
أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ)لا يصرفون معاني الكتاب إلى أهوائهم وما يوافق
شهواتهم (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) أي: يخرصون ، لم يلجؤوا في ذلك إلى
علم يقين ، ولا استظهروه على ما يعتقدونه فيه بحجة ولا برهان .
كذلك قال الذين لا يعلمون لما قيل لهم: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ
فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) .
"الأماني": جمع أمنية ، هو ما يتمناه المرء ويوده ، أصله: أنه محبوب للنفس
شهي ، يأنس إليه من أجل ذلك ، ويحادثه حتى يكون أملًا يؤمل وهوى يُهوى ،
وأماني هؤلاء في كتابهم من نحو ما حكاه الله - عز وجل - عنهم قريبًا من هذا الخطاب من
قولهم: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) .
وقالوا: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) وكان
اعتقادهم أن الآخرة خالصة لهم من دون الناس ، وشبهة هذا من مذاهبهم في
أعمالهم أنها مشكورة وذنوبهم مغفورة .
قال الله - جلَّ جلالُه -:(يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ
مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ)يتمنون هذا ونحو هذا ، ويظنونه ويعملون عليه
بأهوائهم .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(111)
فكل من قال قولًا لم يأتِ عليه بدليل من كتاب الله ولا سنة ولا حكمة مشهورة
فقوله متروك ، ومن تناول العلم على وجه التعصب للأسلاف من غير الموثوق بهم
يحتج بهذا ، وينصره ويخاصم عليه فهو أمي .
وكان هؤلاء من يهود سلكوا في معلومهم ومعارفهم سبيل العصبية لأسلافهم ،
فما وافق منه ذلك أخذوا به وما خالفه نبذوه ليست مهمتهم في تصحيح العلم ، ولا
هممهم في الترقي إلى درجات اليقين ، ولو بحثوا عن حقيقة العلم حق البحث ،