ذكره صدر السورة من إظهار الرغبة إلى الله - جل ثناؤه - في أن يمن على أحدنا
بما أعطاه نبيه بحكم التبعية ، وفي الخبر:"إنه لما نزلت هذه السورة فقرأها عليهم:"
(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا(1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ
عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) . قالوا: هذا
لك يا رسول الله فما لنا ؟ فقرأ عليهم:(لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ).
والفتح على الرسول فتح على أمته ، وفيما ذكره دخول الجنة والخلود فيها
والمغفرة ؛ وأتمها لهم في قوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) فذكر
إنزال السكينة عليهم والفتح والغنائم ، وهو النصر العزيز ، وذكر كف أيدي الناس
عنهم كما فعل بجملة المؤمنين حال القلة ، ثم قال: (وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)
على ما يأتي من المغانم الكثيرة ، وكف الأيدي عن جملتهم والنصر لهم
في آخر الأمر ، وذكر هدايتهم إلى الصراط المستقيم .
نظم بذلك قوله - عز من قائل: (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا) يعني:
وهو أعلم الغنائم ، أي: فيما يأتي قد أحاط الله بها ، وربما كان من ذلك الفتح فتح
مكة ، كل ذلك إلى أجله المسمى له .
(وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا(24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26) .