فهرس الكتاب

الصفحة 2591 من 2809

ولذلك كان اسمًا من أسمائه ، وأما عيسى فهو المقفي ، قفى الرسل قبله ويقفي

محمدًا - صلى الله عليهما وسلم - وعلى جميع الأنبياء والمرسلين .

نظم بذلك قوله:(وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً

ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)يعني ، وهو أعلم: في أول التنزيل الذي نزلنا عليهم

والشرع الذي شرعناه لهم ، لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فكتبناها عليهم ،

وبآخره يتوجه المعنى: كتبناها عليهم (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) وهذا مبني على الأول

(فَمَا رَعَوْهَا) يعني: فما رعاها بعضهم (حَقَّ رِعَايَتِهَا) ومن هنا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

ينهى عن التعمق في الدين وطرح وظائف العبادات وعلى الأنفس ، وكان يخاف أن

يلتزموا ما لم يلزموه فيكتب عليهم ، وقد قرئت:"ما كتبتها عليهم ولكن ابتدعوها"

وهذا موافق لمعنى ما تقدم ذكره ، ثم قال: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ) أي: الذين

رعوها (أَجْرَهُمْ) وهو رضوان الله بأحسن ما آتاهم (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) .

الفاسق عن أمر الله: الخارج منه ، وإذا خرج من هدايته فقد صار إلى الضلال ،

لذلك سموا: الضالين ، كان عيسى - صلوات الله وسلامه عليه - قد أرسله الله -

جل ثناؤه - وأنزل عليه الإنجيل مصدقًا لما بين يديه من التوراة إلى بني إسرائيل ،

فمنهم من آمن به ، ومنهم من كفر واتبعه المؤمنون منهم ، ويقرءون التوراة والإنجيل

ويعملون بما جاءهم به بعد رفعه - صلوات الله وسلامه عليه - إلى أن يظهر ملك

بدل التوراة والإنجيل ، وشايعه على ذلك روم ويونان ، واجتلب الأساقفة من أقطار

الأرض وانتدبوا ثلاثمائة أسقف وبضعة عبر أسقفًا ، واجتمعوا على تأليف قانون

يحملون عليه أهل مماليكهم ففعلوا .

وقتل أتباع عيسى - عليه السَّلام - ومزقوا كل ممزق إلا قليل منهم حمتهم الدولة يومئذٍ ،

فبقى أولئك يقرءون التوراة والإنجيل ويعبدون الله ، إلى أن خلفهم بعد ذلك خلف

شكوهم إلى ملكهم يومئذٍ ، وقالوا: ما سبَّنا أحد بأشد سبًّا سبَّنا به هؤلاء ؛ لأنهم

يقرءون في الكتاب التوراة (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(44)

وفي الإنجيل: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(45)

و (أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، وهذا نحن في كتابنا أيضًا (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت