حتى نزل القرآن بذلك"ويكون إخراج قوله: (ألم ترَ) يعلم على التذكير ؛ لأن"
المخاطب بذلك هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(فصل)
ولما استوى على العرش وهو الحي القيوم حيت الجملة بمقتضى الاستواء ،
ولم يبق فيها جزء من أجزائها ، وإن بلغ من دقته إلى ما لا ينقسم إلى أقل منه إلا
وهو يشاهده علما وحفطا وإحاطة وحضورًا ، آية ذلك المخلوق منا يركب فيه الروح
فيحيي به جملة الجسم حتى لا يبقى فيها جزء من أجزائها وإن قل إلا أحس به
حامله ، وإذا كان - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه لا يحجب بصره ولا سمعه ولا علمه
حجاب ولا تصور في حقه البعد ولا الحجب فهو الحصور .
وإذا كان ذلك كذلك فقد صحت المعية ، لا يجب عنه غائب ولا يبعد عليه
بعيد الحجاب ، والبعد والعسر والتعذر كل ذلك ليس في حقه ، إنما عسر ذلك على
سواه فلا يمنعه عبده ولا يحجبه ملكه ، فإذن هي في كل مكان بما هو ومع كل أحد
بما هو المكان لا يحويه ، والعدد لا يحصره ، يقبض المخلوق ويبسطه ، لا يصعد
المخلوق ولا صفته وإلا فعله ولا معنى من معانيه إلى صفة من صفاته ، إنما له من
المكان المكانة ، ومن العلو العلاء ، ومن الأد ماء والصفات مقتضاها .
ومن تدبر ما قرأه وتفهم ما تعلمه أدرك من تحقيق ما نحن بسبيل تبيانه ما قدر
له ، ألا ترى إلى الجن أين مكانهم وإن كانوا موصوفين به ؟ ثم الملائكة أرفع قدرًا
ومكانة ، بل أين الروح من جميع الجملة وبه حييت وبه تدبيرها وبه قيامها بإذن اللَّه
جاعله - جلَّ جلالُه - ؟ .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته الكبرى ، وهي آخر خطبة خطبها ، خرجها
الحرث بن أسامة: رقى المنبر وقال:"يا أيها الناس ، ادنوا وأوسعوا لمن خلفكم"
ثلاث مرات ، فدنا الناس واضطم بعضهم إلى بعض والتقوا ولم يروا أحدًا ، فقال
رجل منهم بعد الثالثة: لمن نوسع يا رسول الله ، أللملائكة ؟ فقال:"لا ، إنهم إذا كانوا"
معكم لم يكونوا بين أيديكم ولا خلفكم ، ولكن عن أيمانكم وعن شمائلكم""