العلماء والحكماء أربعمائة رجل ، فلما نزل بساحة مكة لم يخرجوا إليه ولا فعلوا
معه ما كان يفعله غيرهم ، فغضب لذلك ودعا بوزيره فسأله عن ذلك ، فأخبره أنهم
سدنة هذا البيت وبه يفخرون على غيرهم ، وهم عبدة أصنام ، فأضمر في نفسه تلك
الليلة أن يهينهم ويهدم بيتهم ويقتل رجالهم ويسبي نساءهم .
فأخذه الله - تبارك وتعالى - تلك الليلة بصداع وفيح من أذنيه وعينيه وأنفه ماء
يجري منها منتنًا لا يقدر أحد أن يقرب منه ، فأمر بإحضار الحكماء ، وعرض ذلك
عليهم فعمي عليهم شأنه وقالوا: نظرنا في العلل الأرضية ، وأما العلل السماوية فلا
علم لنا بها .
وجاء منهم حكيم إلى الوزير وقال: أدخلني على الملك حتى أستخبره عن
حاله بحضرتك ؛ ولما دخل عليه قال: أصدقني أيها الملك ولا تكتمني شيئا ، هل
نويت في هذا البيت شيئا في نفسك ؟ قال: نعم ، فأخبره الخبر ، قال له: أيها الملك ،
إن دواءك أن تتوب مما نويته ، وتحول نيتك إلى الإحسان إلى البيت وإلى أهله ،
والإيمان برسول يولد في هذا البلد يهاجر إلى يثرب ، قال: فإني قد نويت الخير
فيهم ، ولم يلبث العالم من عند الملك غير يسير وقد تماثلت حاله وخف شأنه ، ثم
توجهت صحته حتى تمكنت بقدرة الله فعجبوا لذلك ، فآمن الملك والحكيم والوزير
وآمن جميع عسكره .
ثم خرج من الغد صحيحًا وهو على ملة إبراهيم - عليه السَّلامُ - وأهل عسكره ، وكسا
الكعبة ، وهو أول من كساها ، وأحسن إلى أهل مكة وأطعمهم وسقاهم ، وأمرهم
بحفظ البيت ، وأعلى منزلة ذلك الحكيم الناصح له ، وأمَّا العلماء الذين كان
اختارهم لصحبته فقالوا له: لا نبرح نحن من يثرب ننتظر هذا النَّبي المهاجر إلى هذه
البلدة الذي نطقت الكتب بوصفه والتواريخ بخروجه ، يهدي إلى الحق وإلى الطريق
المستقيم .
وبقي الوزير معهم وبذل الملك لهم الأموال ، وأمر لهم ببناء منازل يسكنوها ؛
وكتب كتابًا عنوانه: من تُبَّع الملك إلى محمد رسول الله ، يا محمد يا رسول الله ، إني
آمنت بك وبما تجيء به من عند ربك ، فإن أدركتُكَ فنعمة من الله ، وإن لم أدركك
فقد دفعت كتابي هذا إلى من يبلغه إليك ، فاشفع لي عند ربك فإنني آمنت بك قبل