المعهود أنه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - لا يتبارك إلا عند ذكر أمر معجب من
خلق أو أمر كقوله وقد ذكر خلقه الإنسان وتقليبه إياه في طبقات الخلقة طبقًا عن
طبق إلى قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14)
وذلك لبعد ما بين كونه مثبوتًا في خزائن السماوات والأرض ، فجمعه بالرياح
اللواقح من أجواء الهواء ، ثم أنزله في الماء إلى الأرض ، فأخرج به أنواع المغذيات ،
فخلق عن ذلك المني ، ثم أقره قراره ، ثم نقله بعد تقليبًا خلقًا من بعد خلق في
ظلمات ثلاث إلى أن بلغ به حدِّ النفخ في الروح أجمل التعجيب كله في قوله:(ثُمَّ
أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ).
فنبَّه بذلك على بعد كونه مقلبًا في تلك الأحوال إلى أن بلغه نهايته ، فجعله
سميعًا بصيرًا ذا صفات وأسماء إلى أن جعله خصيمًا مبينًا يجادل في الله وفي آياته
أو عبدًا كريمًا عليه وليًّا له ، يدعوه فيجيبه ويسأله فيعطيه ، ينزل ببركته الماء من
السماء ويرفع من أجله عن أهل الأرض البلاء ، ثم يرفعه إلى ما تبارك من أجله ،
كقوله: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا(1) .
فأين حاله نطفة من كونه رسولًا من عند رب العالمين إلى كافة الناس في
مختلف الأزمان وتناوب الأعصار (شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ
وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) . (نُورًا مُبِينًا(174) ، (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ
السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) .
ثم أعلى ذكره الخبير به المخبر عنه الدال عليه ، فكلم العقول على لسان الحق ،
وأنهى إليه الشهادات عنه بعبارات الحكمة وقول الصدق ، عبر عن ذلك بقوله - عز وجل -:
(تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا(61) وَهُوَ الَّذِي
جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) .
قوله تعالى: (الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) الملك: ظاهر العالم ، وهو