(فصل)
هذا هو الحق والله يهدي السبيل ، إنما أخرج آدم - عليه السَّلامُ - من الجنة لأجل المعصية
بما كان قد قدر عليه بذلك ، وإنما خلق الله سبحانه السماوات والأرض بالحق لنعلم
أنه على كل شيء قدير ، وأنه قد أحاط بكل شيء علمًا ، وأنه لا إله إلا هو الحي
القوم ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا والمثل الأعلى ، وأن رسله حق ، وما
جاءوا به حق ، وهدى إلى التوبة من الذنب لتدارك الفائت ، فمن حقه ألا يموت ،
أعني: العبد وقد استأثر رب العزة بالبقاء والدوام وحتم على كل مخلوق بالفناء ،
وحكم على العباد بالموت ، فمن الحق الواجب إذا أن يموت .
فجاء من مفهوم هذا الحال وما عبر عنه كريم هذا المقال معنى قوله:"ما"
ترددت في أمر"المعنى: أنه يحمله بعد الموت إلى حياة يعوضه إياها بدلًا من"
هذه التي أفقده ، وإلى مشاهدة هي أكرم وأقرب إعلامًا من التي عنها أخرجه حتى
يأتي وعده بالحياة والبعث من هذا الموت ، فهذه فائدة قوله - عليه السَّلامُ -:(لَوْ كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ)لذلك نسب هذا الأجل إليه عز جلاله - وهو المسمى وما
سواه من الآجال دونه ، فإنها عن أسباب وأواسط .
يقول - جلَّ ذكره: (لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) كريم المآب الذي يصيركم إليه إن آمنتم
فالموت إذًا للمؤمن نعمة ، أي نعمة ، إذ هو باب لخروجه من سجن سجن فيه لأجل
الذنب ، وقد غلب أرحم الراحمين أحد الوجهين المترددين من موته أو بقائه في
الدنيا ؛ ذلك لرجعه من حيث أخرجه من أجل ذنبه .
ولهذه الرحمة تعلو درجة الأنبياء لا يقبضهم الله حتى يخيرهم في البقاء أو
الخروج منها إليه ، ثم يقدر عليهم محبة لقائه والرجوع إليه ، فمن الواجب على كل
مؤمن أن يستعمل نفسه بمحبة وفاة الله إياه والرجوع إليه ، وتعجيل الراحة من هذه
الدار من عدو مرصد ونفس بالسوء أمارة ، واشتغال عن الله - جلَّ جلالُه - بالأهل والولد
والمال والغاشية ؛ وليدرس هذا درسًا شافيًا ويعمل عليه ، ففي ذلك الخير كله