في الجنة وقال له: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا
تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) . فكان منهما ما قد قصه علينا
بصدق قيله ، وكان ذلك سبب إخراجهما منها ، فسجنهما في هذه الدار ليست الجنة
ولا هي جهنم ولا هي غيرهما ، بل هي من ممتزج الدارين ، فهي مثال للدار الآخرة
انتزعها من تلك ، وكالبرزخ بين البحرين ، فكما أن الدنيا سجن حتى أن الأكثر لم
يتعدها إيمانهم إلى ما قبلها وما بعدها ، كذلك مثالات الموجودات في فنائها وموت
ما مات منها .
فافهم فإنه العجب العجيب ، وغلب رحمه فجعل ما خلق عنه الإنسان مما
يخرجه من الأرض بواسطة ما يفتحه من رحمه من الجنة حتى إذا بلغ الأشد الأول
أمره ونهاه كما فعل بأبويه - عليهما السَّلام - فمن كانت له أذن سامعة فليسمع ،
ومن كان له قلب حاضر فليفهم ، ألا ترى أن المحتبسين في دار الدنيا غذاؤهم إنما
يكون من الدار التي حبسوا عنها ، وإذا تبينت براءتهم أطلقوا من سجنهم ذلك
فرجعوا إليها ، وإن استحقوا إتمام العقوبة والإهلاك أنفذ عليهم ذلك بحكم الحق ؟
فافهم من أنت ، وعبد من أنت ، ومن أين أخرجت وحيث أنت ، ومن أين تأكل ،
وممن تنجو إن نجوت ، وإلى أين تصير إن أنت تبينت براءتك فأطلقت .
ولظهور هذا التبيان قال فيه: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ(17) . أليس من
المعهود أنه من سجنه السلطان لأمر اتهم به فظهرت براءته مما اتهم به فمعهوده أن