(فصل)
كثر الاختلاف بين علماء الأمة رضوان الله عليهم في وصفه - جلَّ جلالُه - بالمجيء
والتنزل والإتيان ونحو هذا لكن الله - جل ذكره - لم يخرج جملة الأمة من اعتقاد
الحق وإن كان قد فرقه بينهم كل على المقدار الذي قد آتاه من الهدى والعلم ،
فمنهم من تأول المجيء بأنه يجيء أمره ، ومنهم من قال: إن أمره نازل منه وصاعد
إليه أبدًا ، فما معنى تخصيص هذا الخطاب بالمجيء وفي هذا الوقت ؟
قال: لكني أقول: إنه يجيء وأنه يتنزل وينزل ولا أكيف ولا أصفه بانتقال ولا
زوال أو من بالخبر ولا أكيف ولا أشبه ، وفصل الخطاب في الإيمان بذلك
ومعتقده ، والله الموفق للصواب ، إنه تعالى يجيء وينزل حقيقة ليس كالنزول
المعهود ولا المجيء المعلوم منا ، فيحل في مكان ويخلو منه مكان ، لكن كما قال:
(وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا(25) . فأخبر أن أسماء
تشقق بالغمام الذي يأتي اللَّه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه فيه .
يقول - عز من قائل: والغمام من أمره وبتقدم ظهوره العلي للخليقة ، كذلك
نوره العلي من أمره ، وتتقدمه آية ذلك الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره
وضياؤهن ونورهن يتقدمهن ، فالإتيان والمجيء يقعان على إتيان أمره بين يدي
تجليه ، وأما هو بعد تصديق الخبر الحق بالإتيان والمجيء فلا يتصور منه انتقال ولا
حركة ، إنما هو تجليه وظهوره حسب متى شاء وكيف شاء وأين شاء ، وهو القريب
الشهيد ، كيف يتصور مجيء ممن لا يوصف بغيبه ؟ كيف يتحقق إتيان ممن لم يكن
منه ذهاب ؟
يقول الله - جل من قائل:(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ
وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا
كَانُوا).
(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) .
(وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ
شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) .