ثم قال جلَّ من قائل: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) . أي: إن الله قد أوجب لكم المغفرة في مقامكم ذلك
حتى إنه ليهب مسيئهم لمحسنهم ، ويتجاوز عن الذنوب العظام ، ويباهي بهم
الملائكة - عليهم السلام - ويخزي إبليس لعنه الله ، ويذله ويدحره مما يريه من
كرامة عباده وعظيم أفضاله عليهم .
ثم قال عزَّ من قائل(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ
ذِكْرًا)على معنى قوله:(فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِكُمْ)أي: أكثروا من ذكره على كل أحوالكم وفي كل
أحيانكم ، غلب هذا التوجه لفظ الذكر والأمر به ، ويتوجه أيضًا إلى معنى المحبة ، دل
على صحيح هذا التوجه لتثبيته الذكر بذكرهم آبائهم كما قال القائل:
وَلَو أَننِي أَستَغفِرُ اللهَ كُلمَا ... ذَكَرتُكِ لَم تكتَب عَلَيَّ ذنوبُ
ومن ذلك أن يكون هذا الذكر على الإلحاح والعزة ، دلَّ على هذا قوله جلَّ
قوله: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) يوافق هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"ليعزم المسألة ، فإنه لا مكره له".
فيكون معنى هذا الخطاب هَاهُنَا: سلموا الله حوائجكم ، واعزموا في مسائلكم
إياه كما تعزمون على آبائكم أو أْشد ، فإنه أرحم من آبائكم وأعطف عليكم وأقدر
على قضائها ، دل على تصحيح هذا الوجه قوله - عزَّ من قائل - يذم من قصرت
همته وقل علمه بربه ، فيرضى منه بالأدنى في مسألته ، وهو الواسع الكريم:(فَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا . . . . ).
(فصل)
من الذكر ما هو مؤقت ، ومنه ما هو دائم ، فالمؤقت منه: العبادات المؤقتة ،