ثم قال جلَّ قوله: وما تكون عن تلك المنافع من الإثم أكبر من تلك المنافع ،
نص على ذلك - جلَّ جلالُه - في سورة المائدة قوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ)يعني: الرجس (لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) . فأحال لهم
منافعها ضررًا ، فأين تقع منفعة تآخيهم واجتماعهم عليها من تقاطعهم لسببها وقتلهم
وقالهم فيها .
وقد روي"أكثر"بالثاء ثلاث نقط بدلًا من"أكبر"، قرأه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) وهذا إشارة عزم على
المعتدين الظالمين في كتاب الله - جلَّ جلالُه - ما علموه أو علموا أوجه الحكمة فيما يرد فيه
من مأمور به أو منهي عنه اعتقدوه وآمنوا به ، وما لم يعلموه أو علموه ولم يتوجه
لهم كيف وجه الحكمة فيه فليكلوه إلى العالم الأعلى(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ).
قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) هذا منتظم بمعنى ما تقدم
ذكره من النفقة ، كقوله:(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ
وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ).
ولما كان سؤالهم هنا عن النفقة: ما هي ؟ وما قدرها ؟ قال جل قوله: (قل) يا
محمد (الْعَفْوَ) وهو الفضل ؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"وخير الصدقة عن ظهر غنى ،"
وابدأ بمن تعول"."
فالطيب الحلال والتوسط في الأمور كلها ممدوح ، كما قال جلَّ قوله:
(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا(67) . أي: