فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 2809

ثم قُراء المؤمنين ثلاثة أصناف: فقارئ القرآن ليقال: إنه قارئ ، أو لينال به ما

بأيدي أهل الدنيا [وليستدروا] به الولاة ، وذلك حظهم منه أصابهم أم أخطأهم ،

وهؤلاء هم القارئون والدارسون ليسوا بالتالين .

وصنف منه قرأه متبركًا مخلصًا ، ليتقرب بنية استرضاء ربه ويكثر حسناته ، وما

يصلح به في معاده ، فذلك له - إن شاء الله تعالى - فهذا قارئ للكتاب دارس له تالي .

وصنف منهم قرأه ابتغاء صحيح العلم وطلبًا لكمال اليقين ، فنظر بقلبه واستفرغ

جهده ، وتابع التفكر فيه والتذكر ، وأدام التدبر عارفًا بربه - جلَّ جلالُه - عالمًا بمعاني الخطاب

ومواقع الابتلاء ، فهذا من الذين قال الله - جلَّ جلالُه - فيهم: (فَبَشِّرْ عِبَادِ(17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ

الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) .

وهم الذين يتلون الكتاب حق تلاوته .

(فصل)

اعلم - وقفنا الله وإياك - أن المتفكر في القرآن لا يجد فهم معاني الوحي

وحقيقة الأبناء ، ولا يشهد المخاطب ، ولا يظهر له سرائر العلم من غيب القدرة وفي

قلبه أحد هذه الخصال بدعة أو إصرار على ذنب ، أو يكون في قلبه كبرًا وهوى ، أو

قد استكن فيه حب الدنيا ، أو يكون غير متحقق بالإيمان ، أو ضعيف اليقين ، أو

يكون معتقدًا لمقرأ شيخ منهم يتتبع حروفه واختياره ويكون قد اعتمد على قول

مفسر ليس عنده علم إلا بظاهر .

أو يكون راجعًا إلى معقوله قاضيًا بمذهب أهل العربية في باطن المراد وسر

الخطاب ، إذ هؤلاء كلهم قد حجبوا بما هم عليه موقوفون ؛ لأن ذلك يتردد في

بواطنهم مزيدهم على مقادير علومهم وغرائز عقولهم ، وهم مشركون بعقولهم عند

أهل التوحيد الأعلى ، داخلون في الشرك الخفي الذي هو أخفى من ديب النمل

على الصفا ، وهو نفاق عن خالص التوحيد الأعلى .

وهو على ذلك مقام لا ينتقل عن حال التوحيد الأول ، وإن كان مانعًا عن

الوصول إلى أعلاه ، بل إذا كان العبد مصغيًا إلى كلام ربه ، ملقي السمع شهيد القلب

لمعاني صفات مخاطبه ، ناظرًا إلى قدرته ، تاركًا للمعهود من علمه ومعقوله ، متبرئًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت