ثم قُراء المؤمنين ثلاثة أصناف: فقارئ القرآن ليقال: إنه قارئ ، أو لينال به ما
بأيدي أهل الدنيا [وليستدروا] به الولاة ، وذلك حظهم منه أصابهم أم أخطأهم ،
وهؤلاء هم القارئون والدارسون ليسوا بالتالين .
وصنف منه قرأه متبركًا مخلصًا ، ليتقرب بنية استرضاء ربه ويكثر حسناته ، وما
يصلح به في معاده ، فذلك له - إن شاء الله تعالى - فهذا قارئ للكتاب دارس له تالي .
وصنف منهم قرأه ابتغاء صحيح العلم وطلبًا لكمال اليقين ، فنظر بقلبه واستفرغ
جهده ، وتابع التفكر فيه والتذكر ، وأدام التدبر عارفًا بربه - جلَّ جلالُه - عالمًا بمعاني الخطاب
ومواقع الابتلاء ، فهذا من الذين قال الله - جلَّ جلالُه - فيهم: (فَبَشِّرْ عِبَادِ(17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ
الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) .
وهم الذين يتلون الكتاب حق تلاوته .
(فصل)
اعلم - وقفنا الله وإياك - أن المتفكر في القرآن لا يجد فهم معاني الوحي
وحقيقة الأبناء ، ولا يشهد المخاطب ، ولا يظهر له سرائر العلم من غيب القدرة وفي
قلبه أحد هذه الخصال بدعة أو إصرار على ذنب ، أو يكون في قلبه كبرًا وهوى ، أو
قد استكن فيه حب الدنيا ، أو يكون غير متحقق بالإيمان ، أو ضعيف اليقين ، أو
يكون معتقدًا لمقرأ شيخ منهم يتتبع حروفه واختياره ويكون قد اعتمد على قول
مفسر ليس عنده علم إلا بظاهر .
أو يكون راجعًا إلى معقوله قاضيًا بمذهب أهل العربية في باطن المراد وسر
الخطاب ، إذ هؤلاء كلهم قد حجبوا بما هم عليه موقوفون ؛ لأن ذلك يتردد في
بواطنهم مزيدهم على مقادير علومهم وغرائز عقولهم ، وهم مشركون بعقولهم عند
أهل التوحيد الأعلى ، داخلون في الشرك الخفي الذي هو أخفى من ديب النمل
على الصفا ، وهو نفاق عن خالص التوحيد الأعلى .
وهو على ذلك مقام لا ينتقل عن حال التوحيد الأول ، وإن كان مانعًا عن
الوصول إلى أعلاه ، بل إذا كان العبد مصغيًا إلى كلام ربه ، ملقي السمع شهيد القلب
لمعاني صفات مخاطبه ، ناظرًا إلى قدرته ، تاركًا للمعهود من علمه ومعقوله ، متبرئًا