وقيل: كان اسمها حنة .
وقيل: بل كانت حنة أم مريم امرأة عمران ، فلذلك قال عباد بني إسرائيل لمريم
-عليها السلام - لما جاءت بعيسى - عليه السَّلام - تحمله: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ
سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) .
عمَّ الله - جلَّ جلالُه - إلى آل عمران بالذكر ، وخصَّ الآخر منها بالوصف بعد أن جمعهم
جلَّ ذكره بذكر الاصطفاء ، ثم تمدح جلَّ ذكره بأنه سميع عليم لم يزل تبارك وتعالى
سميعًا عليمًا ، لكنه خصَّ بذكر السمع والعلم ما هَاهُنَا ، لأجل سماعه دعاء امرأة
عمران واستجابته لها ، وعلمه بها وبخالص نيتها في توجه نذرها إليه ، فتقبل منها
وكفلها أفضل الحاضرين يومئذٍ زكريا وزوجته التي هي أخت مريم ، بعد أن اقترعوا
عليها أيهم يكفلها فوقعت علامة القبول لزكريا ، وقد كان حكم القرعة يقطع به
ويجري عليه أحكامهم ، لأن الزمان يومئذٍ كان زمان نبوة ، ووحي مجدد ، إذ مهما
تعطيه القرعة لا اختيار لأحد الفريقين فيهـ، بل هو حكم من اللَّه - عز وجل - وقضاء من عنده .
اذكر قصة يونس - عليه السلام - وأنه كان من المدحضين بالمساهمة ، وهو الآن عندنا
جائز متى لم يقع بين الفريقين تمانع في جواز ذلك ولا تنازع .
(فصل)
جادت أمرأة عمران بذي بطنها لربها كما جاد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بذبح ابنه ، فكان
إتمام كلمته - عز وجل - أن نشر عليها من رحمته وألطفها بكراماته ؛ كأن يظهر لها من
المقدور الغائب ما يحفظها به ، ويرزقها منه بغير كدٍّ ولا نكد ، ويدخل عليها زكريا
محرابها فيجد عندها رزقًا لم يعهده ولم يجرِ على يده فيستكشفها عن ذلك ، فتقول:
(هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الحساب هنا
عبارة عن الكدِّ والتعب في طلبه .
لذلك قيل في رزق أهل الجنة: إنه بغير حساب ، غير أن الله - جلَّ وتعالى -
يعلم شهوة أحدهم فيُؤتى به أحسن مما اشتهاه ، وربما أتحفهم برًا مما لم يعهدوه
ولم يجرِ لهم على بال ، فيجعل لهم - عز وجل - من الغبطة به والسرور والشهوة فيه ما لم
يعهدوا مثله .