فيه من معنى الميثاق حكم اللزوم والارتباط والعهود كثيرة ، والأهم منها عهد
الربوبية ، ويقابله عهد العبودية ، وفي ضمن عهد الربوبية التوحيد عقدًا وقولًا وعملا ،
ثم ينبسط على المعرفة بأسماء الله وصفاته ، وما يجوز عليه وما يستحيل لديه .
وعهد النبوة منطو في العهد الأول ، وفي عهد النبوة ومعرفة خاصة النبوة ،
والفرق بين المرسل والمدعي والمتنبئ والنبي في النبوة وصف يلحق بالنبوة ، وقد
تقدم ذكره ، ويأتي عليه الإنباء: لأنه من صفاتها ، والمقصود بهم في الإرسال إلى
العباد: التبليغ عن الله جلَّ ذكره والتبيين عنه .
ثم ينبسط هذا العهد على معرفة الشرائع ومناهج الإسلام كلها ، وسبل المحنة
والابتلاء ، ومعرفة الجزاء العاجل والآجل ، والمقصود المراد بالمرسل أحد المعنيين
السمع والطاعة ، وحسن الاقتداء والإيمان والإسلام ، ثم التبليغ وإقامة الحجة
والإعذار والإنذار ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .
ثم عهد العلم والمراد به من العالم: التبليغ والاتباع والتبيين ، والرفق
بالمتعلمين ، والصبر على إقامة ذلك ، ومقابلتهم من العلم بما تحتمل أفهامهم وعلى
مقدار منازلهم وأحوالهم ، فالعهد الأول منتظم للثاني والثالث كما العهد الثاني
منتظم للثالث .
وكذلك ما خاطب القرآن العزيز على نحو ذلك حتى إن ذكر الأعلى طوى فيه
ذكر ما هو دونه ، فقال - جلَّ جلالُه - (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ) وحذف
-جلَّ جلالُه - ذكر ميثاق أممهم ، واللام في قوله: (لَمَا) للتأكيد في الميثاق ، والميم اسم لما
أخذ عليهم الميثاق من أجله وهو الكتاب والحكمة ، وعطف بحرف"ثم"على
محذوف مقدر ، تقديره والله أعلم: فعلمتم به والتزمتم: ثم جاءكم رسول مصدق لما
معكم .
والمقصود الأول بذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - هنا هو محمد ، ثم عامة الرسل -
صلوات الله وسلامه على جميعهم - على أزمانهم ونوبهم بدل الأول على الثاني ،
ويبشر بمن بقى ، ويصدق الثاني الأول ومن سبقه .
والمراد بذكر الرسل - عليهم السلام - هنا أممهم ، فهو جلَّ ثناؤه لما أراد أخذ
الميثاق على النبيين أحصر معهم الأمم ، وخاطب الأنبياء - عليهم السلام - وطوى