هذا الموضع عهدًا آخر أخذه - عز وجل - عن الجميع ، أظهر فيه ذكر الميثاق ، وذكر عهد
الربوبية ، وأبطن فيه عهد الرسالة وما تضمته وميثاقها ، فقال جلَّ قوله:(وَإِذْ أَخَذَ
رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا
بَلَى).
ثم حذف - جلَّ جلالُه - ذكر الرسل - عليهم السلام - والأئمة والأمراء والاقتداء فقالوا:
بلى ، وهو جواب على تقدير ، والتقدير معهوده أن يكون بعد معرفة تقدمت للمقرر ،
وربما قدر فيه ، فالجواب:"بلى شهدنا"أي: بما أعلمتنا أو بما تقدم لنا قبل .
ثم أظهر - جلَّ جلالُه - ما كان أبطن بعد الإظهار ، وقال: (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا
عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) . في هذا محذوف تقديره: إنا فعلنا هذا من
تقديركم على صحيح معنى الربوبية في العبودية منكم ، وصحيح القول والعقد
بالرسالة والرسل ، وما جاؤوا به من أمر ونهي وكتاب ، واقتداء وائتمام بهم وإيمان
بذلك كله ، وإسلام لله - عز وجل - من أجل أن يقولوا كذا وكذا .
لم ترسل إلينا رسولًا ولا أنزلت علينا كتابًا فاستصحبنا الغفلة ، هذا كأن يكون
جوابهم أو ما يكون في معناه في عهد النبوة والرسالة (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا
مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) . فهذا
أيضًا كأن يكون قولهم في عهد الربوبية والتوحيد والنبوة .
ولذلك قال جل قوله:(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ
بَعْدِهِ)إلى قوله جلَّ قوله:(رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).