فهرس الكتاب

الصفحة 572 من 2809

الموجودات إلى أجلها لم يكن بين التجميع والتفريق فصل ، ولا زمان محسوس ،

ولا إرادته - جلَّ جلالُه - في إظهار الموجودات بخلاف إرادته إبطان الموجود ، وإظهار

الأعدام والعدم .

ولما بطن التفريق في الموجودات أشبه الأعدام وجود السكون في الخط

المستقيم ، ومعلوم أن حركة الساكن عبادة وسكون المتحرك عبادة ، تقف -

رحمنا الله وإياك - بفهمك على هذا الاعتبار بتصحيح من نظرك فهو خفي ، فمتى

أشكل عليك أو عزب فهمه ، فاعلم يقينًا أن صنع الله - جلَّ جلالُه - حارَ إلى كل مصنوع حال

فنائه ، جارٍ كجري الماء إلى مصبه ، فإذا شاء صانعه - جلَّ جلالُه - إبقاءه أبطن الإعدام وأظهر

الإيجاد ، وبالضد فخلقت على تلك الحال حال العدم .

قال - عز وجل - في مصداق ما ذكرناه:(وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ

السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)فأخبرك نصًّا بإبطان العدم حال

الإيجاد .

وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجبال ، فأنزل الله - جلَّ جلالُه -: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ

يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) . وهذا هو سيرها .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً) فهذا

إعدامها إذا شاء ذلك أظهر الإعدام وأبطن الوجود ، ولها صلاة وسجود وتسبيح

وعبادة وقنوت ، هو أظهر من هذا يظهره الله جل ذكره لمن شاء من عباده ، وهو

المراد بقوله جلَّ قوله: (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) والله أعلم بما

أراده يظهره ، أو يظهر منه ما شاء لمن شاء من خصوص عباده .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) يريد الله

-عز وجل - من ذلك لرسله وأنبيائه - صلوات الله وسلامه على جميعهم - وأوليائه أكثر ،

وقد تقدم في بعض ما مضى من الاعتبار أن سبيله في وجود الموجودات هَاهُنَا

على سبيل النشأ من صغير إلى كبير ، وإنما يظهره الله في الآخرة ، فالجماد جمد على

أكثر صفات الحياة ، وانشرح ذلك في النبات ، ثُمَّ في الحيوان ، ثم في الإنسان، ثم في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت